الغزالي
83
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
وصفناها بصفة قدّرنا نفي ما يباينها . وهذا مكان الجهل والغفلة ؛ لأنهم يقولون بقدم هذه الذوات أزلا ، وبقدم صفاتها . فإذا هي ملزومات لصفاتها ، وصفاتها لازمة لها ، ومتى وجد الملزوم ، وجد اللازم ، ومتى انتفى اللازم انتفى الملزوم . فإذا قدّر نفي الصفة اللازمة للذات ؛ قدّر نفي الذات ، وإلى هذا المعنى إشارة الكتاب العزيز ، بقوله : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ « 1 » / . المعضلة الثانية : ذكرها يوحنا في الفصل الخامس والعشرين : « إبراهيم أبوكم اشتهى أن يرى يومي ، فرأى وفرح ، فقال له اليهود : لم يأت لك بعد خمسون سنة ، وقد رأيت إبراهيم . فقال لهم يسوع : الحق أقول لكم ؛ إني قبل أن يكون إبراهيم » « 2 » هذا آخر كلامه . فنقول : إذا هذا الكلام ناطق بالمجاز ، لأن إبراهيم عليه السلام لم ير يوم ولادته ، ولا يوم إرساله ، ولا يوم حصول الحقيقة الثالثة له ، كما يزعمون ، لأن هذه كلها حدثت بعد إبراهيم . بل المراد من ذلك أن الأنبياء / يحبون دوام طاعة اللّه ، ودوام إظهار شرائعه المتكفلة بمصالح العباد . فلما أعلم إبراهيم عليه السلام برسالة عيسى وهدايته للعالم ، وما يظهر على يده من مصالح العباد ، على ما اقتضته شريعته . سرّ بذلك . فالرؤية هاهنا محمولة على البصيرة ؛ التي هي العلم ، لا على البصر . وقد صرّح بولص في رسالته التي سيّرها إلى قورنيته « 3 » بأبلغ « 4 » من ذلك ، وهذا يدل على أنه أراد عين ما أردناه ، فقال : « ولكننا ننطق بحكمة اللّه
--> ( 1 ) سورة المائدة : 73 . ( 2 ) إنجيل يوحنا - الإصحاح الثامن - ( 56 - 58 ) . ( 3 ) في المطبوع : [ قورنيثه ] . ( 4 ) في المطبوع : [ فأبلغ ] .