الغزالي

43

الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل

كشف غطاء الشبهة مبينا جهة المجاز ، بقوله : « وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ، ليكونوا واحدا » . أي : إن ذلك المجد ينظم شملهم ، فيقع أفعالهم جمع متظافرة على طاعتك ، ومحبة ما تحبه ، وبغض ما تبغضه ، وإرادة ما تريده ، فيصيرون كرجل واحد ، لعدم تباين آرائهم وأعمالهم ومعتقداتهم ، « كما نحن واحد » ، أي كما أنا معك واحد ، لأن مجدك الذي أعطيتني ، جعلني لا أحب إلا ما تحبه ، ولا أريد إلا ما تريده ، ولا أبغض / إلا ما تبغضه ، ولا أكره إلا ما تكرهه ، ولا يصدر مني عمل ولا قول إلا وأنت راض به . وإذا ثبت أن هذه حالته مع الإله ، دل على أن من أطاعه ، فقد أطاع الإله جلّ اسمه ، ومن أطاع الإله فقد أطاعه ، وهذا شأن الأنبياء والمرسلين . ثم بالغ في إيضاح جهة المجاز بقوله : « كما أنك يا أبة حالّ فيّ ، وأنا فيك ، ليكونوا أيضا فينا واحد » . يريد : أن أقوالهم وأعمالهم إذا تظافرت واقعة على وفق مرادك ، ومرادك هو مرادي ، كنا جميعا كذات واحدة ، لعدم تباين الإرادات ، ثم إنه عليه السلام ، لم يقتنع بذلك / حذرا من تعلق الخيال الضعيف بظواهر هذه النصوص ، فصرّح بأنه رسول فقال : « ليؤمن العالم أنك أرسلتني » . ثم بالغ في البيان ، فقال : « وليس أسأل هؤلاء فقط ، بل وفي الذين يؤمنون بي ، ليكونوا بأجمعهم واحدا كما نحن واحد » . يريد : أن وحدته معه ليست مقتضية لإلهيته ، وإلا لزم أن تكون وحدتهم مع الإله الذي سأله أن يكونوا معه واحدا ، كذلك . فانظر كم من حسن اشتمل عليه هذا النص ، من صرائح قد صرّح بعدم إرادة ظواهرها ، [ وتجوّزات اقترنت بها معان أبت لها أن تحمل ] « 1 » على حقائقها ، ومحاسن يمرّون / عليها وهم عنها معرضون . وللّه در القائل : وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السّقيم

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ؛ مثبت بهامش المخطوط .