الغزالي

44

الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل

ولكن تأخذ الأذان « 1 » منه * على قدر القرائح والعلوم « 2 » وقد صرّح في إنجيل يوحنا أيضا ، في الفصل الخامس والخمسين بما يدل على أن هذا التأويل الذي ذكر هو المراد ، فقال : « من يؤمن بي ، فليس يؤمن بي فقط ، بل وبالذي أرسلني ، ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني » « 3 » . لما جعل طاعته نفس طاعة الإله لزم أن يكون مخبرا عن الإله ، فقال : « ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني » . أي أنا أخبر / عنه حقيقة ، فأمري أمره ، ونهيي نهيه ، وجميع أحكامي عنه صادرة . وهذا شأن الأنبياء الصادقين . ومن أوضح ما يستدلّ به على أن حقائق هذه النصوص ليست مرادة ، وأنها محمولة على المجاز السالف ذكره ، أن يوحنا بن زبدى الإنجيلي ، المنقولة هذه النصوص من إنجيله ، وهو عندهم من أجلّ تلامذته ، حتى إنهم يغلون فيه فيسمونه : حبيب الرب ، لما فهم هذه المعاني المذكورة ، وعلم أن هذه النصوص مصروفة عن حقائقها إلى المجاز المذكور . قال في رسالته الأولى المذكورة في كتاب الرسائل : « اللّه لم يره أحد قط / . فإن أحبّ بعضنا بعضا ، فاللّه حالّ فينا ، ومحبته كاملة فينا ، وبهذا نعلم أنا حالّون فيه وهو أيضا حالّ فينا ، لأنه قد أعطانا من روحه ، ونحن رأينا ونشهد أن الأب أرسل ابنه لخلاص العالم » « 4 » . وذكر فيها أيضا : « من يعترف أن يسوع ابن اللّه ، فاللّه حالّ فيه ، وهو أيضا حالّ في اللّه » « 5 » .

--> ( 1 ) في المطبوع : [ الأفهام ] . ( 2 ) هذان البيتان لأبي الطيّب المتنبي ، انظر « شرح ديوان المتنبي » لعبد الرحمن البرقوقي ( 4 / 246 ) . ( 3 ) انظر : إنجيل يوحنا - الإصحاح الثاني عشر - ( 44 ، 45 ) . ( 4 ) انظر : رسالة يوحنا الأولى - الإصحاح الرابع عشر - ( 12 - 14 ) . وفيه : « ما من أحد رأى اللّه . إذا أحبّ بعضنا بعضا . ثبت اللّه فينا وكملت محبته فينا . ونحن نعرف أننا نثبت في اللّه وأن اللّه يثبت فينا . بأنه وهب لنا من روحه . ونحن رأينا ونشهد أن الأب أرسل ابنه مخلّصا للعالم » . ( 5 ) رسالة يوحنا الأولى - الإصحاح الرابع عشر - ( 15 ) : وفيه : « من اعترف بأن يسوع هو ابن اللّه ثبت اللّه فيه وثبت هو في اللّه » .