الغزالي

41

الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل

النص الثاني : نصّ عليه يوحنا المذكور في إنجيله ، وفي الفصل السابع والثلاثين : « أيها الأب القدّوس احفظهم / باسمك الذي أعطيتني ، ليكونوا معك واحدا ، كما نحن » « 1 » . هذا النص كالنص الذي قبله سواء ، مؤكّدا « 2 » في صرفه عن الحقيقة إلى المجاز المذكور ، وبيانه : أنه عليه السلام ، دعا اللّه عزّ وجلّ لتلامذته أن يكون حافظا لهم باسمه حفظا مثل حفظه له ، ليحصل لهم بذلك الحفظ وحدة باللّه ، ثم أتى بحرف التشبيه ، فقال : « كما نحن » ؛ أي : تكون تلك الوحدة كوحدتي معك ، فإن تكن وحدته مع الإله موجبة له استحقاق الإلهية ، فيلزم أن يكون داعيا لتلامذته / أن يكونوا آلهة . وخطور ذلك ببال من خلع ربقة العقل ، قبيح ، فضلا عن من يكون له أدنى خيال صحيح ، بل هذا محمول على المجاز المذكور ، وهو أنه عليه السلام سأل اللّه أن يفيض عليهم من آلائه وعنايته وتوفيقه إلى ما يرشدهم إلى مراده اللائق بجلاله ، بحيث لا يريدون إلا ما يريده ، ولا يحبون إلا ما يحبه ، ولا يبغضون إلا ما يبغضه ، ولا يكرهون إلا ما يكرهه ، ولا يأتون من الأقوال والأعمال إلا ما هو راض به ، مؤثر لوقوعه ، فإذا حصلت لهم / هذه الحالة حسن التجوّز . ويدلّ على صحة ذلك ، أن إنسانا لو كان له صديق موافق غرضه ومراده بحيث يكون محبّا لما يحبّه ، مبغضا لما يبغضه ، كارها لما يكرهه ، حسن أن يقول : أنا وصديقي واحد . وقد بيّن عليه السلام أيضا في النصّ أن وحدته معه مجاز ، وأنه ليس إلها حقيقة بقوله : « ليكونوا معك واحدا كما نحن » يريد : إذا حصل لهم منك توفيق ، صيّرهم لا يريدون إلا ما تريده ، كانت وحدتهم معك كوحدتي معك ، إذ هذه حالتي معك لأنني لا أريد إلا ما تريده / ، ولا أحب إلا ما تحبه . وبقوله أيضا : « أيها الأب القدوس احفظهم باسمك » . داعيا لهم الإله

--> ( 1 ) إنجيل يوحنا - الإصحاح السابع عشر - ( 11 ) . ( 2 ) في المطبوع : [ مؤكّد ] بالرفع ، وهو الصواب .