الشريف المرتضى
516
الذخيرة في علم الكلام
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً « 1 » . وبيان وجه الآية الأولى : أنه تعالى لم ينف غفران الشرك على كل الوجوه ، بل نفى أن يغفر تفضلا ، فكأنه تعالى قال : إن اللّه تعالى لا يغفر أن يشرك به تفضلا بل استحقاقا . فيجب المراد بقوله تعالى وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ أن يغفر بغير استحقاق وعلى جهة التفضل ، لأن موضوع هذا الكلام الذي يدخله النفي والاثبات وينضم إليه الأعلى والأدون أن يخالف الثاني الأول . ألا ترى لا يحسن أن يقول القائل : أنا لا أمضي إلى الأمير إلا أن يدعوني وأمضي إلى من دونه إذا دعاني ، وانما يحسن أن يقول : وأمضي إلى من دونه وان لم يدعني . وكذلك لا يجوز أن يقول : أنا لا أتفضل بالكثير وأتفضل باليسير . وهذا وجه ، ومن خالف فيه فهو مكابرة . ويمكن أن يعارضوا بهذه الآية على وجه آخر ، وهو أن لفظة « ما » يجب عمومها عند من ذهب إلى العموم لكل ما لا يعقل ، وإذا أخبر تعالى أنه يغفر ما دون الشرك ، عمّ ذلك الكبير والصغير ، وما وقعت منه توبة وما لم يقع منه توبة ، لأجل عموم ظاهر آياتهم . لأنا نعكس ذلك ونقول : بل خصّصوا ظاهر تلك الآيات لعموم ظاهر هذه الآيات . فان تعلقوا باشتراط المشية بقوله تعالى لِمَنْ يَشاءُ [ يقتضي ] « 2 » الاجمال . قلنا لهم : ما دخلت المشية فيما تناوله اللفظ العام ، لأنها دخلت فيمن يغفر له لا فيما يغفره . ويمكن أن يعارضوا في هذه الآية بوجه آخر ، وهو : أن اللّه تعالى علق
--> ( 1 ) سورة الزمر : 53 . ( 2 ) الزيادة من م .