الشريف المرتضى
515
الذخيرة في علم الكلام
يبيّن ما ذكرناه : أنه يحسن ممن استفهم فقيل له « ما تملك » و « من جاءك » ، بأن يقول من المال أو من الفرس ، أو من العبيد أو من الإماء ، وفي جواب « من جاءك » من النساء أو من الرجال ، ولولا اشتراك اللفظ واحتماله « 1 » لم يجز ما ذكرناه ، وليس يجزي ذكر بعض العقلاء ، ويصح أن يستعمل في جميعهم حقيقة ، وليس كذلك حكم البهيمة . فأما عدولهم عن ألفاظ الاستفهام إلى لفظة « من » فلفائدة معقولة ، لأن الاستفهام بذكر كل شخص بعينه يتعذر أو يطول ويبعد ، وليس في جميع الألفاظ ما يصح أن يقصد به إلى الاستخبار عن جميع العقلاء مفترقين ومجتمعين إلا لفظة « من » ، وهذه مزية بينة لها . على أنه لو ثبت بهذه الطريقة العموم لم يكن نافعا لهم في المقصود « 2 » من الكلام في عموم الوعيد ، لأن الاستفهام لا يحسن دخوله في خطابه تعالى على وجه من الوجوه . وليس لهم أن يقولوا : متى ثبت عموم هذه اللفظة في الاستفهام ثبت عمومها في الشرط . لأن ذلك دعوى بغير حجة ، وقد أوجبوا عموم « من » إذا كانت نكرة في الشرط والجزاء ، ولم يوجبوا عمومها إذا كانت معرفة ، فألّا كانت عامة في الاستفهام دون سائر المواضع . وأما الطريقة الثانية في الكلام على الآيات التي تعلقوا بها فبينة ، لأنا نعارضهم بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ « 3 » ، وبقوله تعالى وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ « 4 » ، وبقوله تعالى يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ
--> ( 1 ) في ه « واحتمله » . ( 2 ) في ه « والمقصود » . ( 3 ) سورة النساء : 48 . ( 4 ) سورة الرعد : 6 .