الشريف المرتضى
387
الذخيرة في علم الكلام
مجراهم من المنخرقين والملتمسين جماعة وفسدت بهم أديانهم ، فألّا منعهم اللّه تعالى من هذا الاستفساد إن كان المنع منه واجبا ؟ فان [ قيل ] « 1 » : كل من فسد وضل عند مخاريق هؤلاء الذين ذكروا كان في معلوم اللّه تعالى أنه سيضلّ ويفسد وان لم يدع هؤلاء إلى باطلهم . قلنا : فما أنكرت أن يكون كل من أضل بما ألقته الجن من هذا الكلام الفصيح قد علم اللّه تعالى أنه كان يضل لم لو تلقه . على أنا لو شئنا أن نقول لقلنا : إننا عالمون ضرورة بأنه قد ضل بالحلاج وماني ومن أشبههما من أصحاب الحيل والمخاريق من لولاهم لما ضل ولبقي على الدين الصحيح . لقلنا وهذه الطريقة يختارها أبو علي الجبائي وزعم أنه انما ضل بدعاء إبليس لعنه اللّه ووسواسه ، من لولا دعاؤه لعلم اللّه تعالى أنه كان لا يضل . ولأبي هاشم جواب آخر في استفساد إبليس ، وهو أن يقول : إن حقيقة الاستفساد هو ما وقع عنده الفساد ، ولولاه لما وقع من غير أن يكون تمكينا ولا له حظ في التمكين . فإذا علم اللّه سبحانه أن من امتنع من القبيح وفعل الواجب عليه مع غواية إبليس يكون ثوابه على فعل الواجب والامتناع من القبيح أعظم وأكبر ، لأن المشقة عليه أكثر ، ويجريه مجرى زيادة الشهوة وان وقع عندها من القبيح ما لولا تقويها لما وقع ، ويجري هذا كله مجرى التمكين الخارج عن باب الاستفساد . وعلى هذا المذهب لا يمتنع أن يقال في سؤال الجن مثله ، وأن ثواب من لم يتسرع إلى تصديق من ظهر على يده ما يجوز أن يكون من فعل اللّه تعالى أكبر وأعظم والمشقة عليه في هذا التكليف أغلظ والمحنة آكد ، فلحق ذلك بالتمكين وخرج من أن يكون استفسادا ، فلا يجب منعه تعالى منه .
--> ( 1 ) الزيادة من م .