الشريف المرتضى
388
الذخيرة في علم الكلام
وممّا اعتمدوا أيضا في جواب مسألة الجن قالوا : إنه لا فرق في خرق العادة بالقرآن ودلالته على الاعجاز ، وبين أن يكون من فعله تعالى أو من فعل بعض الملائكة ، لأنه انما دل إذا كانت من فعله تعالى لخرق العادة لا لأنه من فعله تعالى ، فيجب أن يدل ، وان كان من فعل الملك للاشتراك في خرق العادة . والجواب عن ذلك : إن خرق العادة غير كاف إذا جوّزنا أن يخرقها غير اللّه تعالى ممن يجوز أن يفعل القبيح ويصدّق الكذاب ، وانما دل خرق العادة من فعله تعالى لأننا نأمن « 1 » فيه وقوعه على وجه يقبح ، وإذا كنا نجوّز على الملائكة قبل العلم بصحة النبوة أن يفعلوا القبيح ، فلا يجوز أن يجرى تصديقهم لمن يصدّقوه وأن خرق العادة مجرى ما يفعله اللّه تعالى من ذلك . وأيّ فرق بين ما نجوّز فيه من أن يكون من فعلنا ، وبين ما نجوّز فيه أن يكون من فعل جنّي أو ملك [ في ارتفاع دلالته على النبوة ؟ وهل كان ما يجوز أن يكون من فعلنا غير دال على النبوة إلا من حيث جاز أن نفعل القبيح ونصدق الكذاب ؟ وهذا بعينه قائم فيما نجوّز فيه أن يكون من فعل جنّي أو ملك ] « 2 » ، وان خرق العادة إذا جوّزنا أن يخرقها من لا يؤمن منه فعل القبيح . وغير كاف في الدلالة على هذا الأصل الذي قررناه تحرك الشمس في غير جهة حركتها ، لما كان ذلك معجزا أو دالّا على صدق من يدعيه ، علما لتجويزنا أن يكون من فعل بعض من يفعل القبيح من الملائكة . إلا أن يتقدم ذلك دليل مقطوع به على أن الملائكة لا تعصي ولا تستفسد . وهذا مما اعتمده صاحب الكتاب المعروف بالمغني ونقضناه عليه في كتابنا الموسوم بالموضح عن جهة اعجاز القرآن .
--> ( 1 ) في ه « نأمر فيه » . ( 2 ) الزيادة من م .