الشريف المرتضى
375
الذخيرة في علم الكلام
أشدّ الناس عداوة للاسلام ، ولبيد « 1 » بن ربيعة والنابغة الجعدي وهما في الطبقة الثالثة أسلما « 2 » بعد زمان طويل ، وما رأيناهما خطيبا في الاسلام برتبة ولا منزلة توهم مواطاة وقعت معهما . ومن قوي ما يقال في حلّ هذه الشبهة : أن حال المتقدمين في كل صناعة لا يجوز أن يخفى على أهل تلك الصناعة ، ولا بدّ من أن يعرفوهم بأعيانهم ، فكان يجب لما طولبوا بايراد الكلام الفصيح أن يفزعوا إلى من يعلمون تقدمه فيهم ، فإذا رأوا منهم امتناعا علموا بالمواطأة ، فوافقوا عليها وبكتوا بها وأسقطوا الحجة عن نفوسهم بذكرها ، وما رأيناهم تعرّضوا لذلك . وبعد ، فان تطرق هذه الشبهة يقتضي أن لا يقطع على تقدم أحد في صناعة ولا على أنه أفضل أهل زمانه فيها ، لأن غاية ما يقتضي ذلك أن يتحدى أهل الزمان فلا يعارضوه ، وإذا جوّزنا المواطأة ارتفع طريق القطع الذي قد علمنا أنه ثابت . فصل ( في أن تعذر المعارضة كان على وجه خارق للعادة ) اعلم أنه إنما يمكن أن يدّعى دخول تعذّر المعارضة في العادة بأن يقال : إنه كان صلّى اللّه عليه وآله أفصحهم فتأتي له « 3 » ما لم يتأت لهم ، أو تعمّل زمانا طويلا ولم يتمكنوا مع قصر الزمان عن معارضته ، أو منعهم المعارضة بالحروب وشغلهم بها ، أو أنهم لم يفعلوها خوفا من أصحابه وقوة أمره . وإذا بطلت هذه الوجوه فلم يبق إلا أن التعذر كان غير معهود .
--> ( 1 ) في ه « وليد » وفي م « ولبيدة » . ( 2 ) في النسختين « اسما » . ( 3 ) في النسختين « فتأتوا له » .