الشريف المرتضى

372

الذخيرة في علم الكلام

لو كان قادرا عليه ، ولا يجوز أن يدخل عليه شبهة فيعدل عن الفعل مع القدرة . وما لا تدخل الشبهة فيه على ما ذكرناه كيف تدخل على الحكماء الرجحان على أن للعرب عادة في تحدّي بعضهم عن بعض ، وما كانوا يفزعون عند التحدي إلا إلى المعارضة دون غيرها من ضروب الافعال . فلو صحّ دخول الشبهة على غيرهم في هذا الباب لم يجز دخولها عليهم للعادة التي بيناها . والجواب عن ثالثها : أن القوم لا يجوز أن يعتقدوا أن الحرب أولى من المعارضة ، لأنه صلّى اللّه عليه وآله ما ادعى الإبانة منهم بالغلبة والقهر ، وأنهم لا يتمكنون من قتاله ، وفزعوا إلى الحرب التي هي أبلغ في هذا الباب . وانما تحدّاهم وادّعى البينونة منهم بأن معارضة القرآن الذي أظهره يتعذر عليهم ، فلا شبهة في أن المعارضة أولى من الحرب لو وثقوا بالظفر ، فكيف وهم فيه على خطر ولا خطر في معارضته . ولو بدءوا بها أمام الحرب لكانوا بين أحد حسنيين : إما أن يتفرق جمع عدوهم فيستريحوا منه من أقرب الطرق وأخصرها ، أو أن يقيم قوم عنادا أو خلافا بعد سماع المعارضة على التمسّك بنصرته ، فيستعملون حينئذ الحرب في موضعها وعند أوانها ، وعقيب الاعذار ، وأقام الحجّة . ولو كانوا جمعوا بين المعارضة والحرب ، فان الحرب لا يمنع من المعارضة التي هي كلام مسموع وقول منقول ، لأخذوا الصواب من طرفيه . على أنهم لما جربوا الحرب مرارا كثيرة ولم يبلغوا بها غرضا ، كان يجب أن يرجعوا إلى المعارضة لزوال الشبهة الصارفة عنها . على أن الحرب إنما وقعت بعد الهجرة وبعد مضي ثلاثة عشر سنة ، فما علة امتناعهم من المعارضة طول المدة المتقدمة للحرب ؟ وكيف خلوا في تلك الأحوال من المعارضة والحرب معا ؟ والجواب عن رابعها : أن التحدّي إذا ثبت أنه انما كان بأن يأتوا بما