علي بن محمد الوليد
56
الذخيرة في الحقيقة
وأصفاها ، لأنه تنشأ منه أجسام الصافين المسبحين ، وكان ابتداء هذا المأمن بخار لطيف معتدل في الحر والبرد ، ارتفع من المياه العذبة والبحار ، فانعقد منه ببرودة زحل ، وحرارة عطارد ، سحاب لطيف بتحريك الريح ، ثم ضغطه البرد ، ونزل منه على وجه الأرض مني لطيف مشاكل لنزول ماء الأمطار ، وكانت الشمس حينئذ في برج الدلو ، لأنه برج لصورة الانسان مقاربا ، وعطارد في اثنتين وعشرين درجة ، منه غاربا ، وزحل في أول برج الجدي يناظر المشترى من تسديس في اوّل الحوت والطالع برج الجوزاء ، والقمر في برج الدلو مقارن لعطارد ، وكان نزول ذلك المطر على أرض نقية التربة . سليمة من كل طعم ، مخالف للعذوبة ، مضادة غير مالحة ، ولا مرة ، ولا كدرة ، ولا نجسة وقذرة . بل صافية اللون ، نقية سحيقة التراب ، متخلخلة ، فحدث فيها أغوار غير عميقة ، قريبة من بسيط الأرض فركد ذلك الماء المشاكل لمنى الذكران المشابه لنزول الأمطار فيما هي له من كل غور من تلك الأغوار واستقر هناك أحسن استقرار واختلط بما تفجر من عيون الأرض الذي هو مشابه لمني النساء ، وما تعفن من الغيوم والضباب والثلوج ، التي قامت على وجه الأرض مدتها المقدرة ، وهي مشاكلة لدم الحيض الذي لا تحمل الا بعد طهارتها منه المرأة فحدث الكون الانساني بعد نقاوة الأرض من تلك العفونات والخبائث ، كما تكون النطفة في الرحم بعد نقاوة الطامث ، وكان الماءان المعتدلان الذي هو من المطر الحار اليابس ، ومن عيون الأرض البارد الرطب ، قد امتزجا على اعتدال في امتزاجهما ، وكانت متكافية بحسب الحاجة التي لا يحتاج شيء منها فيها إلى زيادة ونقصان ، ولا مادة بشيء مما في الامكان ، فلما حصل الماء في قرار الغور القريب ، أسخنته حرارة باطن الأرض من أسفله ، واحمته ، لأن الشمس إذا حلت في برج الدلو أكسبت باطن الأرض الحرارة وأدفأته ، وكانت سخونة الأرض في تلك المواضع غير اللينة معتدلة ، غير مطيرة لتلك