علي بن محمد الوليد

57

الذخيرة في الحقيقة

الرطوبة ، ولا مفنية لها ، ولا محللة ، فرقى ذلك الماء صاعدا يطلب الهرب الخفيف من الحرارة الخفيفة ، فلما علا إلى موضع لحقه فيه برد ثقيل ، فرجع منحدرا من موضع إلى موضع ، متحركا حركة ضعيفة فإذا استقر في الأرض أسخنته الحرارة اللينة ، ثم حركته الريح المعتدلة في حركتها الهينة ، فأكسبته حركتهما برودة وسكونا وثقلا ، فلم يزل كذلك ، كلما لاقاه البرد سفل ، وكلما أسخنته حرارة باطن الأرض علا حتى زال عنه أكثر المائية ، ولطف بتينك « 1 » الحركتين لطف الحركة في ذلك الصعود ، والنزول ، بمادة الشمس والسخونة الأرضية ، حتى صار بطول زمان السخونة اللينة دهنا لينا رطبا سيالا ماء خالصا ، ولا دهنا غليظا ، بل دهنا لطيفا رقيقا قد اكتسب لطفا واعتدالا ، فلما بلغت الشمس إلى برج الجوزاء ، وسخن الهواء ، وهبت رياح البوارج ، حسى ظاهر الأرض فجف الشيء بعد الشيء ، وابتدأ الدهن ينعقد بتينك « 2 » السخونتين الباطنة والظاهرة ، والأرض التي هو فيها متخلخلة لها مسام ، ينفذ فيها إليه النسيم الذي به حياة كل حي ، ويلقحه من تلك المسام لقاحا يسيرا ، وحرارة الأرض تزيد في كل يوم حتى صلب الدهن ، وانعقد انعقادا لم يكن كثيرا ، واخذ في طريق التصوير بالحر والبرد العاملين في الرطوبة واليبس ، ولم يكن النسيم يباشره فيخالطه بل كان ينفذ إليه ، وبينهما حجاب لطيف ، تجول بينه وبين مباشرته باللمس ، فعمدت العناية الإلهية تخطيط الصور ، كما شاء المصور الحكيم ، وكونتها بالحر والبرد ، وتكونت الطبيعة الأولى في حجب الأرض ، وتخططت الصورة جسما صورها وقدرها العزيز الرحيم ، فأحدث كل كوكب فيها شيئا ، وطبعا ، وتولى جزءا من جسده في ذلك التصوير ،

--> ( 1 ) بتلك ( في ع ) . ( 2 ) بتلك ( في ع ) .