ابن ميمون

542

دلالة الحائرين

قد صرح الأنبياء بذلك قال فان افكارى ليست افكاركم ولا طرقكم طرقي يقول الرب كما علت السماوات عن الأرض ، كذلك طرقي علت عن طرقكم وافكارى عن افكاركم « 838 » . وجملة المعنى الّذي أقوله ، وألخصه أنا كما لا ندرك حقيقة ذاته ، ولكن مع ذلك علمنا أن وجوده أكمل وجود ، ولا يشوبه نقص ولا تغير ، ولا انفعال بوجه . كذلك مع كوننا لا نعلم حقيقة علمه . إذ هو ذاته ، نعلم أنه لا يدرك تارة ، ويجهل أخرى ، اعني انه لا يتجدد له علم بوجه ، ولا يتكثر ولا يتناهى علمه ، ولا يخفى عنه شيء من الموجودات كلها ولا يبطل علمه بها طبائعها ، بل الممكن باق مع طبيعة الإمكان . وكل ما يظهر في مجموع هذه الأقاويل من التناقض هو بحسب اعتبار علمنا الّذي لا يشارك علمه الا في الاسم فقط . كذلك القصد مقول على ما نقصده نحن وعلى ما يقال إنه قصده تعالى باشتراك . وكذلك العناية مقولة باشتراك على ما نعنى نحن به « 839 » وعلى ما يقال إنه تعالى يعنى به . فالصحيح اذن ان معنى العلم ومعنى القصد ، ومعنى العناية المنسوبة إلينا غير معاني تلك المنسوبة إليه . فمتى اخذت العنايتان أو العلمان أو القصدان « 840 » على أن يجمعهما معنى واحد ، جاءت الاشكالات وحدثت الشكوك المذكورة . ومتى علم أن كل ما ينسب إلينا مباين لكل ما ينسب له ، تبين الحق . وقد صرح التباين بين هذه المنسوبة / إليه والمنسوبة إلينا بقوله » ولا طرقكم طرقي « 841 » ، كما قد تقدم لنا ذكر ذلك .

--> ( 838 ) : ع [ أشعيا 55 / 9 - 8 ] ، كي لا محشبونى محشبوتيكم ولا دركيكم دركى نام اللّه كي جبهو شميم مارص كن حهو دركى مدرككم ومحشبوتى محشبوتيكم : ت ج ( 839 ) به : ت ، - : ج ( 840 ) العنايتان أو العلمان أو القصدان : ت ، العنايتين أو العلمين أو القصدين : ج ( 841 ) : ا ، ولا دركيكم دركى : ت ج