ابن ميمون

543

دلالة الحائرين

فصل كا [ 21 ] [ ان علم اللّه تعالى بما صنع كامل ] فرق كبير بين علم الصانع بما صنع وعلم غيره بذلك المصنوع . وذلك ان الشيء المصنوع ان صنع « 842 » على وفق علم صانعه فصانعه اذن انما صنعه « 843 » ما صنع « 844 » تابع « 845 » لعلمه . واما الغير الّذي يتأمل هذا المصنوع ، ويحيط علمه به فعلمه تابع للمصنوع . مثال ذلك ان الصانع الّذي عمل « 846 » هذه الخزانة التي تتحرك / فيها أثقال يجرى الماء ، فتدل على ما مضى من النهار أو الليل من الساعات ، كل ما يسيل فيها من الماء ، وتغير وضع سيلانه ، وكل خيط ، وينجذب ، وكل بندقة تنزل ، كل ذلك مدرك « 847 » معلوم عند صانعها . وما علم تلك الحركات من اجل تأمله هذه الحركات الحادثة الآن ، بل الامر بالعكس . وذلك ان تلك الحركات الحادثة الآن انما حدثت على وفق علمه . وليس كذلك الّذي يتأمل تلك الآلة ، بل المتأمل كلما « 848 » رأى حركة ما استجدّ له علم ، ولا يزال يتأمل وعلومه تتزيّد وتتجدد أولا أولا ، حتى يكتسب علم جملة الآلة منها ولو قدرت ان حركات تلك الآلة لا تتناهى لكان المتأمل لا يحيط علما بها ابدا ، ولا يمكن المتأمل أيضا ان يعلم حركة / من تلك الحركات قبل حدوثها . إذ انما يعلم ما يعلم مما يحدث . وهكذا الحال في جملة الوجود ، ونسبته إلى علمنا وعلمه تعالى . وذلك انا نحن انما نعلم كل ما نعلم من قبل تأمل الموجودات فلذلك يتعلق علمنا بما سيكون ، ولا بما لا يتناهى . وعلومنا متجددة متكثرة بحسب الأشياء التي منها نكتسب علمها وهو تعالى ليس كذلك ، اعني انه ليس يعلم الأشياء من قبلها ، فيقع التعدد والتجدد بل تلك الأشياء تابعة لعلمه المتقدم المقدّر لها بحسب ما هي عليه ، اما وجود مفارق أو وجود شخص ذي مادة ثابت ، أو وجود ذي مادة متغير الاشخاص تابع لنظام ، لا يختل ولا يتغير .

--> ( 842 ) صنع : ت ج ، نصنع : ن ( 843 ) صنعه : ت ، وصنعه : ج ، صنعة : ن ( 844 ) صنع : ت ج ، صنعه : ن ( 845 ) تابع : ج ، تابعا : ت ( 846 ) عمل : ت ، يعمل : ج ( 847 ) مدرك : ت ؛ مدروك : ج ( 848 ) كلما : ت ، كل ما : ج