ابن ميمون
311
دلالة الحائرين
لأنهما امكانان ، لان كل شيء حادث ، امكان حدوثه متقدم عليه . وكذلك الفاعل الّذي اخذته ، كان فيه امكان ان يحدث ما أحدثه قبل ان يحدثه ، فهما امكانان بلا شك . امكان في المادة أن تكون كذا ، وامكان في الفاعل ان يفعل كذا . فهذه أمهات الطريق التي يسلكها أرسطو في / اثبات قدم العالم من جهة العالم نفسه . وثم طرق أيضا ذكرها الذين اتوا بعده ، استخرجوها من فلسفته يثبّتون بها قدم العالم من جهة الاله جل اسمه . منها انهم قالوا : ان كان اللّه « 404 » جل اسمه احدث العالم بعد العدم ، فكان اللّه قبل ان يخلق العالم فاعلا « 405 » بالقوة ، فلما خلقه صار فاعلا بالفعل . فقد خرج اللّه من القوة إلى الفعل ، ففيه تعالى امكان ما ولا بد له من مخرج اخرجه من القوة إلى الفعل ، وهذا أيضا شديد الاشكال ، وهذا هو الّذي ينبغي ان يفكر كل عاقل في حله واظهار سره . وطريق أخرى قالوا انما يفعل الفاعل في وقت ولا يفعل في وقت ، بحسب الموانع أو الدواعي الطارئة له وفيه ، فتوجب له الموانع تعطيل فعل ما ، يريده وتوجب له الدواعي إرادة ما لم يكن يريده من قبل . وإذا كان الباري جلّ اسمه لا دواعي له توجب تغير « 406 » مشيئة ولا عوائق عنده ولا موانع تطرأ أو تزول ، فلا وجه لكونه يفعل في وقت ولا يفعل في وقت بل فعله دائما كدوامه ، موجود بالفعل . وطريق أخرى : يقولون : افعاله تعالى كاملة جدا ، ليس فيها شيء من النقص ولا فيها شيء عبث ولا زائد ، وهذا هو المعنى الّذي يكرره أرسطو دائما ويقول : الطبيعة حكيمة ولا تفعل شيئا عبثا ، وانها تفعل كل شيء على أكمل ما يمكن فيه ، فقالوا : من ذلك هذا الموجود ، هو أكمل ما يكون ، وليس بعده من غاية . / فلذلك يجب ان يكون دائما ،
--> ( 404 ) اللّه : ت ، الاله : ج ( 405 ) فاعلا : ت ، فاعل : ج ( 406 ) تغير : ت ج ، تغيير : ن