ابن ميمون

303

دلالة الحائرين

جسما فيقرب أو يبعد أو يقرب جسم « 354 » منه أو يبعد إذ لا نسبة بعد بين الجسم ولا جسم . فبالضرورة ان علة عدم ذلك الفعل هو عدم تهيؤ تلك المادة لقبول فعل المفارق . فقد بان ان فعل الأجسام بحسب صورها بعضها في بعض يوجب تهيؤ المواد لقبول فعل الّذي ليس بجسم التي تك الافعال هي الصور . فلما كانت آثار العقل المفارق بينة واضحة في الوجود ، وهي كل متجرد غير حادث عن مجرد نفس الامتزاج ، علم بالضرورة ان ذلك لفاعل ليس يفعل بالمباشرة « 355 » ، ولا على بعد مخصوص . إذ ليس هو جسم فيكون ابدا عن فعل المفارق بالفيض على جهة التشبيه بعين الماء التي تفيض من كل جهة ، وليست « 356 » لها جهة مخصوصة تستمد منها أو تمدّ لغيرها ، بل من جميعها تنبع ولجميع الجهات / تروى القريبة منها والبعيدة دائما . كذلك هذا العقل ليست تصله قوة من جهة ما ومن بعد ما ولا تصل قوته لغيره أيضا من جهة مخصوصة ، وعلى بعد مخصوص ولا في وقت دون وقت ، بل فعله دائما . كل ما « 357 » تهيأ شيء قبل ذلك الفعل الموجود على الدوام الّذي عبر عنه بالفيض ، كذلك الباري جل اسمه لما تبرهن انه غير جسم وثبت ان الكل فعله وانه سببه الفاعل كما بينا . وكما نبيّن قيل عن العالم من فيض اللّه وانه أفاض عليه كل ما يحدث فيه . وكذلك يقال إنه أفاض علمه على الأنبياء ، المعنى كله ان هذه الأفعال من فعل من ليس بجسم وهو الّذي يسمّى فعله فيضا وهذه الاسمية اعني الفيض ، قد أطلقته العبرانية أيضا على اللّه تعالى من اجل التشبيه بعين الماء الفائضة كما ذكرنا . إذ لم يوجد لتشبيه « 358 » فعل المفارق أحسن من هذه العبارة اعني الفيض إذ لا نقدر على حقيقة اسم تطابق حقيقة المعنى ، لان تصور فعل المفارق عسر جدا ، كمثل عسر تصور وجود المفارق .

--> ( 354 ) جسم : ج ( 355 ) بمباشرة : ت ( 356 ) ليست : ج ن ، ليس : ت ( 357 ) كل ما ج ، كلما ت ( 358 ) لتشبيه ت ج ، لتشبه : ن