ابن ميمون

255

دلالة الحائرين

--> البحث الأول في بيان ماهية الزمان ، فنقول اختلف الناس في ماهية الزمان على أربعة مذاهب أحدها أنه موجود قائم بنفسه غير جسم ولا جسماني وهو واجب الوجود لذاته ، وثانيها أنه جسم يحيط بجميع أجسام العالم ، وهو فلك معدل النهار . وثالثها أنه حركة معدل النهار ، ورابعها أنه مقدار الحركة من جهة التقدم والتأخر اللذين لا يجتمعان كما سيأتي شرحه ، وهو اختيار أرسطو ومن تبعه ، وهذا هو الّذي ذكره صاحب الكتاب ، لأن مقدار الحركة عرض تابع لها فلنقرر هذا الرأي ، وبعد الفراغ منه نذكر شبه المذاهب الفاسدة مع أجوبتها فنقول : إذا فرضنا جسما يتحرك على مسافة معينة بمقدار من السرعة وفرضنا جسما آخر يتحرك في تلك المسافة بذلك المقدار فلا شك أنهما لو اتفقا في الأخذ اتفقا في الترك بالانتهاء إلى نهاية تلك المسافة لو ابتدأ الأول دون الثاني ثم ابتدأ الثاني أو تركا معا ، فإنه يكون بين أخذ الأول وتركه إمكان قطع مسافة أقل من مسافة الأول ، والإمكان الثاني جزء من الإمكان الأول ، فالإمكان الأول أمر مقدارى قابل للزيادة والنقصان وليس مقدارا قار الذات بل هو زائد في الانقضاء إذ لو لم يكن منقضيا لما فات من الثاني شيء هو حاصل للأول ، لأنهما متفقان في السرعة والابتداء من نقطة واحدة من المسافة فسواء ابتدءا معا أو ابتدأ أحدهما قبل الآخر فيلزم أن تكون مسافة الثاني مثل مسافة الأول وليس كذلك ، فاذن هو مقدار يكون وجوده على سبيل التجدد والتقضى ، فلا يكون هذا المقدار موجودا قائما بنفسه لا يكون في موضوع ، لأنا بينا أن أجزاءه متجددة منقضية فلا بد من موضوع كما سيأتي بيان أن كل حادث لا بد له من موضوع فيكون له موضوع فلا يخلو ، إما أن يكون هذا المقدار مقدارا لذلك الموضوع أو لهيئة فيه ، والأول من وجهين أحدهما أن مقدار الموضوع قار الذات ، وهذا غير قار الذات ، والثاني هو أن مقدار الموضوع إذا زاد فإنه يزيد الموضوع بزيادته ولا يزيد الموضوع بزيادة هذا المقدار ، فان أبطأ المتحركين أطولهما في هذا المقدار في مسافة معينة مع أنه قد يكون مقداره أصغر فليس هذا مقدار الموضوع فهو إذن مقدار لهيئة في الموضوع ، فتلك الهيئة إما أن تكون قارة بالذات أولا تكون قارة الذات ، والأول باطل بالوجهين المذكورين ، فهو إذن مقدار هيئة غير قارة وهي الحركة ، فالزمان هو مقدار الحركة لا من جهة أجزاء المسافة فان أجزاء مقدار المسافة قارة الذات ، فمتقدمها ثابت مع متأخرها بل من جهة المتقدم الّذي لا يثبت مع المتأخر ، ولا يجتمعان أبدا من أجزاء المقدار الّذي بينا أنه على سبيل التجدد والانقضاء ، فظهر من هذا البحث ماهية الزمان وأنه عرض تابع للحركة . البحث الثاني في كون الحركة والزمان متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر بيانه هو أنه ظهر في البحث الأول أن الزمان مقدار الحركة فلا يمكن تحققه بدونها أما أنه لا يمكن تحقق الحركة بدونه فلأن كل حركة فهي على مسافة وكل مسافة فهي قابلة للانقسام دائما بناء على نفى الجزء فتكون الحركة إلى نصفها قبل الحركة إلى آخرها فتكون واقعة في زمان فقد ثبت تلازمهما . البحث الثالث في بيان أن ما لا يتحرك ولا يتغير فإنه لا يقع تحت الزمان بيانه هو أن المراد من قولنا الشيء الفلاني واقع في الزمان هو أن وجوده مطابق للزمان ، والزمان متجدد متصرم ، فالمطابق له متجدد متصرم ، وليس ذلك إلا الحركة فالواقع في الزمان وتحته إنما هو الحركة بالذات