ابن ميمون

252

دلالة الحائرين

يج [ 13 ] المقدمة الثالثة عشرة : انه لا يمكن ان يكون شيء من أنواع التغير متصلا الا حركة النقلة فقط ، والدورية منها . « 32 »

--> بنار صغيرة وأخرى كبيرة فاذن يكون تأثير ذلك الجزء متناهيا ، لكن نسبة الأثر إلى الأثر كنسبة المؤثر إلى المؤثر نسبة متناه لما ذكر صاحب الكتاب : إن كل قوة في جسم فإنها متناهية لتناهى محله ، فنسبة الأثر إلى الأثر نسبة متناه إلى متناه فتكون تلك الحركات متناهية عدة ومدة وهو المطلوب ، وأما إن كانت تلك القوة قسرية فلنفرض أنها تحرك جسما حركات غير متناهية مدة وعدة من مبدأ ، ونفرض أن تلك القوة بعينها تحرك بعض ذلك الجسم من ذلك المبدأ بعينه فاما أن يكون تحريكها لبعضه مساويا لتحريك كله وهو محال لأن في كله زيادة معاوقة من التحريك القسري على ما في بعضه ولا يكون الشيء مع غيره كهو لا مع غيره ، وإما أن يكون زائدا عليه فلا بد من التفاوت ، وذلك التفاوت إنما يظهر من الجانب الغير المتناهى لاتحادهما في المبدأ فينقطع تحريكه لكله لكن نسبة كل الجسم إلى بعضه نسبة متناه إلى متناه ضرورة أن التفاوت في التحرك إنما هو بحسب تفاوت المعاوقة بين الكل والجزء ، فيكون تحرك الجزء أيضا متناهيا فثبت تناهى القوى الجسمانية من الوجوه الثلاثة ، واللّه أعلم . ( 32 ) ( الشرح ) : أعلم أن الغرض من تصحيح هذه المقدمة إنما هو اثبات أن الزمان إنما يستحفظ بالحركة الوضعية ، وهي الحركة الدورية لأنا سنبين في المقدمة التي بعد هذه أن الزمان من لواحق الحركة وأنه متصل دائم غير منقطع ، وما عدا الحركة الوضعية من أنواع الحركات والتغيرات منقطعة غير متصلة فيلزم أن يكون الحافظ للزمان إنما هو الحركة الدورية دون سائر أن أنواع الحركات ، وبيان ذلك هو أن التغير إما أن يكون دفعة أو لا دفعة ، والتغير الّذي يكون دفعة لا يمكن أن يكون متصلا لأنه إن أحدث تغيرا واحدا فلا شك في عدم اتصاله ودوامه ، وإن أحدث تغيرات كثيرة كل واحد منها بعد أخرى فلا يمكن أيضا ان يكون متصلا لأن كل واحد منها يحدث في آن فلو اتصلت متوالية لزم تتالى الآنات وهو محال كما سيأتي . وأما التغير الّذي لا يكون دفعة بل يكون على التدريج فهو الحركة وقد بينا انها إنما تقع في أربع مقولات الكم والكيف والأين والوضع ، فلنبين أنه لا يمكن أن يكون شيء من أنواع الحركات دائما إلا الحركة التي تقع في مقولة الوضع ، وهي الحركة الدورية منها ، أما الحركة في مقولة الكيف - وهو الاستحالة - فلأنها ( عبارة ) عن أن يتغير الجسم من ضد إلى ضد مثل تغيره من الحرارة إلى البرودة ، ومن البياض إلى السواد ، ومن الحموضة إلى الحلاوة يسيرا يسيرا ، وكذا غيرها من الكيفيات ، فيكون كون الجسم في تلك المراتب من التغير محصورا بين الحاصرين ، وهما الكيفيتان اللتان إحداهما متحرك عنها ، والأخرى متحرك إليها فتكون الاستحالة متناهية ضرورة فقد ثبت أن الحركة في مقولة الكيف يجب أن تكون متناهية . وأما الحركة في مقولة الكم كالنمو والاضمحلال فلأن هذه الحركة لا تنتقل عن الحركة في مقولة الأين فتتناهى بتناهيها ، وبيان أن الحركة في الأين متناهية ومنقطعة غير متصلة هو أن الحركة في الأين هي الحركة المستقيمة ، وقد بينا قبل أن الجهات متناهية ، فتكون كل حركة مستقيمة أيضا متناهية ، اللهم إلا أن يقال أن المتحرك إذا وصل إلى نهاية حركته رجع متحركا ، وكذا في الجانب الآخر متصلة .