ابن ميمون
243
دلالة الحائرين
--> تحدث في محلها فيكون لكل مقولة تغير ما ، إما دفعة أو لا دفعة فلما ذا خصص المقولات الأربع بالذكر دون سائرها ؟ . جوابه من وجهين : أحدهما أن المراد بهذا التغير التغير مطلقا حتى يشمل جميع الأقسام التي ذكرها ، وإنما خصص بالذكر هذه الأربع لأن التغيرات الواقعة في هذه الأربع لها أسماء مخصوصة مثل أن التغير الواقع في مقولة الجوهر يسمى كونا وفسادا ، التغير في الكم يسمى نموا أو ذبولا ، والتغير في الكيف يسمى استحالة ، والتغير في الأين يسمى نقلة ، وأما التغيرات الواقعة في سائر المقولات فليس لها أسماء مخصوصة فخصص هذه الأربع بالذكر دون الباقي ليكون ذلك تفسيرا لهذه الأسماء حتى إذا ذكرت هذه الأسماء يكون معانيها معلومة المتعلمين واللّه أعلم . والوجه الثاني أن احتياجهم في هذه العلوم في أكثر الأحوال إنما يكون إلى ذكر هذه التغيرات الأربع دون سائر التغيرات الا نادرا ، فان أكثر مباحثهم إنما تكون في الكون والاستحالة ، تارة في التفرقة بينهما ، وتارة في دفع المنكرين للكون والاستحالة ، وتارة في بيان أنواعهما وأصنافهما فلأجل كثرة وقوع الحاجة في البحث عن هذه التغيرات خصصها بالذكر دون غيرها من المقولات ، ولا يقال أن التغير في مقولة الوضع - وهو مثل الحركة الدورية يحتاج إلى البحث عنه في هذه العلوم ، وتقع الحاجة إليه كثيرا مع أنه لم يذكره ، لأنا نقول : الحركة الدورية عنده نوع من الحركة في الأين كما يصرح به في المقدمة الثالثة عشرة فيكون ذكر جنسها مشتملا عليها فلا حاجة هاهنا إلى إفرادها بالذكر . مطالبة أخرى : هي أن الحكماء اصطلحوا على أن التغير الّذي لا يكون دفعة بل يكون على التدريج يسمى حركة ، ثم قالوا : الحركة إنما توجد في أربع مقولات ، ثلاثة منها ذكرها المصنف ، وهي مقولة الكم والكيف والأين ، وواحد منها لم يذكره ، وهي مقولة الوضع ، فأطلقوا اسم الحركة على التغير في هذه الأربع حتى يقولون عن الحركة في الكم نموا أو تخلخلا أو ذبولا أو تكاثفا ، والحركة في الكيف استحالة ، والحركة في الأين نقلة ، والحركة في الوضع هي مثل الحركة الدورية فلما ذا خصصوا لفظة الحركة بالتغير الّذي يكون في مقولة الأين مع أن اصطلاح الحكماء منعقد على إطلاقها في جميع هذه الأربع ؟ . جوابها أنه حافظ على الوضع اللغوي فإن أهل اللغة لا يطلقون اسم الحركة إلا على النقل من مكان إلى مكان أو من وضع إلى وضع ، وهو تغير في مقولة الأين أما النقل من مكان إلى مكان فمعلوم أنه حركة في الأين وأما الحركة من وضع إلى وضع فإن هذه الحركة وإن لم تكن حركة في الأين بحسب كلية الجسم المتحرك حركة دورية ولكنها حركة في الأين بحسب أجزاء ذلك الجسم المتحرك بالاستدارة فان كل جزء يفرض فيه فإنه يكون منتقلا من مكان إلى مكان فلهذا كانت الحركة الدورية عنده داخلة في الحركة في مقولة الأين . وأما التغير في مقولة الكم كالنمو أو الذبول فإنه قريب من أن يسمى حركة في اللغة لكنه لا يدخل في الحس فكأن النامي ساكن غير متحرك ، فلم يعتبره وإنما اعتبر ما هو ظاهر في الحس ، مشهور عند أهل اللسان اتباعا لهم في مراعاة لغتهم ، فلهذا خصص لفظة الحركة بالتغير في مقولة الأين واللّه أعلم .