ابن ميمون

237

دلالة الحائرين

--> واحد أكثر مما لا يمكن [ أن تكون ] أكثر من ذلك ، وهي تلك الأبعاد المحدودة ، هذا خلف وهو ممنوع لأنه لا يلزم من كذب تلك المقدمة صدق هذه لجواز أن يكون الصادق عند كذبها هو قولنا : الموجود في بعد واحد أبعاد محدودة دائما لا على التعيين بل كل واحد من الأبعاد الموجودة بينهما مشتمل على أبعاد متناهية هي تحته لا إلى نهاية بحيث لا تنتهى إلى واحد لا يكون فوقه ما يشتمل على أعداد متناهية حتى يقال : فيلزم انقطاع الامتدادين بل فوق كل واحد مشتمل على أعداد متناهية واحد هذا شأنه لا إلى نهاية . فهذا منع قوى ما رأيت منهم أحدا تيسر له دفعه ، ويمكن أن يجاب عنه بأن يقال : إن لم يصدق قولنا مجموع الأبعاد الموجودة بينهما موجود في بعد واحد لكان الصادق إما قولنا لا شيء من [ تلك ] الأبعاد بموجود في واحد ، أو قولنا بعض الأبعاد موجود في واحد معين دون الباقي ، أو قولنا : كل جملة من هذه الأبعاد موجودة في بعد واحد بحيث تكون الأمور المشتملة على تلك الجمل ، عددا لا واحدا فيكون كل واحد من الأبعاد المشتملة على تلك الجمل مشتملا على أبعاد متناهية لا إلى نهاية ، وانحصاره في هذه الأقسام ظاهر ، لا نتكلف له بيانا . أما القسم الأول فهو بين الفساد ، لما فرضوه في أصل البرهان ، والثاني : فاسد لما ذكروه . بقي الثالث ، فنقول : مجموع هذه الأبعاد الغير المتناهية إذا كان كل جملة متناهية منه مشتملا عليها لبعد واحد غير البعد الواحد الّذي يكون جملة أخرى متناهية مشتملا عليها له فتلك الجمل المشتمل عليها حاصلة في تلك الأبعاد المشتملة لكن الأبعاد المشتملة عدد له ترتيب يكون الفوقاني مشتملا على الباقي للفرض المذكور . فالأبعاد المشتملة يقوم مقامها واحد منها ، وهو الفوقاني فتكون تلك الجمل المشتمل عليها حاصلة في تلك الأبعاد المشتملة وتلك الأبعاد المشتملة حاصلة في واحد منها فيكون الكل حاصلا في ذلك الواحد فيكون ذلك الواحد مشتملا على كل الأبعاد الغير المتناهية وحينئذ يتم البرهان ، فهذا هو الجواب من المنع المذكور واللّه أعلم . تخريج هذا البرهان على صورة أخرى : اعلم أن عند حل هذا البرهان في اوّل أمرى سبق إلى ذهني صورة على وجه آخر قبل أن أفهم ما ذكروه ، فلما تحقق عندي ما أوردوه وجدته دون ما سبق إلى ذهني إذ لا يتوجه على الأول فلنذكره فإنه لطيف جدا موصل إلى المطلوب من غير تطويل . ووجهه أنا نفرض الامتدادين الخارجين عن المبدأ الواحد بحيث يتباعدان على قدرهما دائما ، مثلا إذا نظرت إليهما [ وهما ] على قدر ذراع وجدت بينهما بعدا بقدر ذراع ، وعند كونهما ذراعين [ وجدت بينهما ] بعدا بقدر ذراعين وهكذا إلى غير النهاية ، ومن المعلوم بالضرورة انه لا امتناع في تباعدهما على هذا الوجه ، فإذا كان البعد بينهما دائما على قدر الامتدادين ، والامتدادان موجودان بغير نهاية مع التباعد المذكور فبينهما بعد بغير نهاية مع كونه محصورا بين الحاصرين وهذا محال ، فهذا هو البرهان الّذي يعتمد عليه في صحة هذه المقدمة ، والحمد للّه على ما هدانا من فضله وجوده الّذي لا يتناهى حمدا بغير نهاية . وأما المثبتون للمقادير الغير المتناهية فهم طوائف ولهم إلى إثباتها بحسب أصولهم الفاسدة دواع ، بعضها مناسبة للآراء الطبيعية وبعضها مناسبة لآراء الفلسفة الأولى مستندة إلى أصول منطقية ، وبعضها مأخوذة بحسب غريزة القوة المستحكمة في أول فطرة الإنسان ، وهي القوة الوهمية .