ابن ميمون

238

دلالة الحائرين

--> أما الطائفة الأولى فهم اعتقدوا خلاء غير متناهي المقدار وأجزاء فيه غير متناهي العدد ، متحركة في ذلك الخلاء متصادمة ؛ كل حركة وصدمة مسبوقة بحركة وصدمة لا إلى أول ، وقد يتفق لها أن تتصادم على وجه تجتمع وتتجانس فتحدث عوالم بغير نهاية ، واختلفوا . فمنهم من قال إن تلك الأجزاء لا تنقسم أصلا لا القسمة الا ضافية ولا القسمة الانفكاكية ، إذ الانفكاكية عنده إنما تكون بتخلل الخلاء ولم يتخلل في نفس الأجزاء خلاء . ومن هؤلاء من علل ذلك بأن الكون والفساد الغير المتناهى يحتاج إلى مادة غير متناهية ولهم تفاصيل أخر لا يليق ذكره بهذا الموضع . وأما الطائفة الثانية فهم قالوا بان قولنا : العالم ، مغاير لقولنا : هذا العالم . لأن الثاني أمر جزئي مشخص ، والأول كلى قابل للحمل على كثيرين بحيث تكون نسبته إلى جميع الجزئيات المندرجة تحته بالسوية ولا يقتضي أن يكون الموجود منه عددا مخصوصا محصورا قليلا أو كثيرا بل الكل ممكن بحسب حقيقة هذا المفهوم ، فان امتنعت كثرة العوالم الغير المتناهية فاما أن تمتنع لماهياتها وللوازمها - وهما محالان لما ذكرنا أن نسبتها إلى جميع الجزئيات على السوية من غير اختصاص بعدد دون عدد ، أو لعارض مفرق فيجوز زواله فحينئذ يجوز أن تحصل عوالم غير متناهية ، لأن الممكن في الأزليات واجب ، فوجب حصول عوالم غير متناهية . وأما الطائفة الأخيرة فهم حكموا على حسب ما شاهدوا بالحواس أن الشيء إنما ينتهى بطرفة عند طرف شيء آخر ملاصق للشيء لا العدم الصرف ، كيف ونحن نعلم بالضرورة أن ما يلي جهة الجنوب متميز عما يلي جانب الشمال وما يلي جانب الغرب عما يلي جانب الشرق من فلك الأفلاك الّذي جعلتموه العالم أو غيره من الأجسام ، وتميز جانب عن جانب بالحس والإشارة في العدم الصرف محال ، ومن وقف على طرف العالم ومد يده خارج العالم أتنفذ يده أو لا تنفذ فان نفذت فلا شك أن متسع ذراع أكثر من متسع شبر فثمة مقدار إما خلاء أو ملاء وإن لم تنفذ وامتنع فثم شيء قائم يمنعه عن النفوذ ، والمقاوم للجسم عن النفوذ أيضا جسم وهكذا ينبغي أن يكون كل مقدار منتهيا إلى مقدار لا إلى طرف . ولقد سمعت من بعض فضلاء زماننا ممن شاخ في العلوم الفلسفية ، وخصوصا الرياضى منها ، أن اللاتناهي في المقادير والأبعاد كأمر غريزي للفطرة الإنسانية ، وأن المستدلين على خلافة يخالفون نصيحة الغريزة فهذا تفصيل المذاهب في إثبات الأبعاد الغير المتناهية على وجه الاختصار . فنقول : لما صح لنا بالبرهان أن المقادير متناهية ، فقد ظهر فساد هذه المذاهب لكنا نذكر بالتفصيل ما يدل على فسخ هذه الآراء ، فنقول للطائفة الأولى : أما الخلاء فسنثبت في هذا الكتاب عن قريب أن وجوده محال ، فضلا عن أن يكون غير متناه ، وكذا الجزء الّذي لا ينقسم قسمة إضافية ؛ ولا انفكاكية ، واما الأجزاء التي تقبل القسمة الإضافية دون الانفكاكية فمحال لأن تلك الأجزاء عند القائلين بها متشابهة الحقيقة غير مختلفة الحقيقة ، فإذا قسما تلك الأجزاء في الوهم بنصفين جاز بين نصفى كل واحد منها من الانفكاك الرافع للاتصال الّذي هو حاصل بينهما مثل ما جاز بين نصفى كل اثنين منها من الاتصال الرافع للانفكاك الّذي هو حاصل بينهما مثل ما جاز بين نصفى كل واحد منها لأنها طبيعة واحدة لا اختلاف فيها ، وأما الكون والفساد الغير المتناهى