ابن ميمون
236
دلالة الحائرين
--> ولنشرع الآن في بيان البرهان السلمى فنقول : لو كانت الأبعاد غير متناهية أمكننا أن نفرض امتدادين خرجا من مبدأ واحد كساقى مثلث لا يزال البعد بينهما يتزايد بقدر واحد من الزيادات مثلا : إن البعد إن كان ذراعا كان الثاني ذراعا أيضا ، ويزيد الثالث على الثاني بهذا القدر أيضا ، وكذا الرابع على الثالث ، فيكون هذا القدر محفوظا في ذلك التزايد ، ويذهبان إلى غير النهاية مع التزايد المذكور فيكون كل بعد فوقانى بينهما مشتملا على جميع الأبعاد التي تحته ، فيمكن أن يوجد بعد واحد يكون مشتملا على جميل تلك الأبعاد الغير المتناهية لأنه إن لم يكن ممكنا أن يوجد الأبعاد الغير المتناهية في بعد واحد لكان الّذي يمكن ان يوجد في بعد واحد انما هو ابعاد محدودة من الأبعاد الغير المتناهية وعند ذلك يجب أن ينقطع الامتدادان ، إذ لو وجد بعد ذلك لأمكن أن يكون أبعاد توجد في بعد واحد أكثر مما لا يمكن أن يكون أكثر من ذلك ، وهو تلك الأبعاد المحدودة ، هذا خلف لكن بقاء الامتدادين متباعدين على ذلك النمط من التزايد إلى غير النهاية ممكن بالضرورة فوجب أن يوجد حينئذ بعد واحد بينهما ، مشتمل على جميع تلك الأبعاد الغير المتناهية فيكون ذلك البعد أيضا غير متناه مع كونه محصورا بين الحاصرين ، هذا محال . فثبت أن كل عظم فإنه يجب أن يكون متناهيا وهو المطلوب . ( وعليه شك ) وهو أن يقال إن البعد الّذي ذكرتموه أنه مشتمل على جميع الأبعاد الغير المتناهية على الوضع الّذي أسستموه ينبغي أن يكون آخر الأبعاد ، وإلا لم يكن مشتملا على جميع الأبعاد الغير المتناهية ، وإذا كان آخر الأبعاد كان الامتدادان منقطعين عنده فكانا منتهيين عنده فإذن لا تصح تلك المقدمة ، وهي ثبوت كون بعد واحد مشتملا على جميع الأبعاد الغير المتناهية إلا بوضع الامتدادين متناهيين وهذا هو المطلوب من ذلك البرهان فيلزم أن تكون صحة البرهان متوقفة على صحة المطلوب وهو محال . أجابوا عنه بأن هذا لا يضرنا لأنا نورد البرهان على هذا الوجه فنقول إن القول بكون الامتدادين غير متناهيين يوجب القول بكونهما غير متناهيين فيكون القول بكونهما غير متناهيين باطلا ، وإنما قلنا ذلك لأنه إما أن يكون هناك بعد واحد مشتمل على جميع تلك الأبعاد الغير المتناهية أو لا يكون ، فإن كان فهو آخر الأبعاد فيكون الامتدادان منقطعين عنده فيكونان متناهيين ، وإن لم يكن هناك بعد على الصفة المذكورة فحينئذ تكون الأبعاد التي يمكن أن توجد في بعد واحد أبعادا متناهية محدودة ، وعند ذلك الحد ينقطع الامتدادان ، إذ لو وجدا بعد ذلك لأمكن أن يوجد عدد آخر في بعد واحد أكثر مما لا يمكن أن يكون أكثر من ذلك وهو الأبعاد المحدودة عند ذلك الحد ، هذا خلف . فوجب انقطاع الامتدادين عند ذلك الحد فيكونان متناهيين فقد لزم القول بكونهما متناهيين على تقدير كونهما غير متناهيين ، وهو محال . واعلم أن القسم الثاني من هذه العبارة مشترك بينها وبين العبارة الأولى ، وعليه منع قوى ، وهو أن يقال ما المراد ؟ من قولكم : إن لم يكن ممكنا أن توجد الأبعاد الغير المتناهية في بعد واحد بينهما ، كان الّذي يمكن أن يوجد في بعد واحد وإنما هو أبعاد محدودة من الأبعاد الغير المتناهية ، إن كان الأبعاد به أبعادا محدودة معينة وهو الظاهر من قولهم لإلزامهم بأنه حينئذ يجب أن ينقطع الامتدادان ، إذ لو وجد [ الامتدادان ] بعد ذلك لأمكن أن توجد أبعاد في بعد