ابن ميمون

235

دلالة الحائرين

--> نقطة هي أولى فقط المسامتات لكنها واجبة عند زوال الخط من الموازاة إلى المسامتة ، وهذا جمع بين النقيضين ، لكن كل ما وضعناه في المقدمات من فرض الكرة وحركتها وخروج خط متناه من مركزها موازيا للخط الآخر صحته معلومة بالضرورة إلا وضع الخط الغير المتناهى ، فهو الملزوم للأمر المحال فيكون محالا فكل عظم ومقدار يجب أن يكون متناهيا وهو المطلوب . ( وعليه شك قوى ) لم يذكره المتأخرون وهو : أن يقال لم قلتم ان الكرة إذا تحركت حتى زال الخط من الموازاة إلى المسامتة ، فلا بد أن يحدث في الخط الغير المتناهى نقطة هو أولى نقط المسامتات ؟ وذلك أن المسامتة بينهما إنما تحدث بالحركة ، والحركة منقسمة أبدا بالقوة فيكون محل المسامتة في الخط الغير المتناهى مع طرف الخط المتناهى المتحرك بحركة الكرة منقسما أبدا بالقوة فلا يمكن فرض نقطة من نقط المسامتة إلا ويمكن فرض نقطة أخرى قبلها ، إذ كل جزء من أجزاء الخط - متناهيا كان ذلك الخط أو غير متناه - يمكن أن يفرض فيه نقط بغير نهاية متشافعة ولا متتالية بل يجب أن يكون بين كل اثنتين من تلك النقط خط ، وذلك بناء على نفى الجزء وخصوصا أن هذا البرهان مبنى على أصله على نفى الجزء ، وهو ظاهر للمتأمل فيه ، فالحاصل أن المسامتة إنما تحصل بالحركة ، وهي قابلة للقسمة ، بغير نهاية بالقوة ، فكذا ما سامتها من الخط ، فلا يمكن فرض نقطة هي أولى نقط المسامتة فيه . جوابه : هو أن الدائرة التي ترسم بحركة الخط في الكرة المفروضة على قسمين ، أحدهما قوس المسامتة ، وهي القوس التي تلى خط ( ا . ب ) الغير المتناهى والآخر : قوس الانحراف ، وهي القوس الأخرى ، ولا شك أن جميع النقط المفروضة في قوس الانحراف هي نقط الانحراف ، فالنقطة التي هي طرف قوس المسامتة - إذ هي نقطة في المسامتة - يجب أن تكون من جملة نقط المسامتة لأن كل نقطة في هذه القوس هي نقطة المسامتة ، فإذا انطبق خط ( ج . د ) على هذه النقطة أعنى طرف قوس المسامتة ، وقع له المسامتة مع نقطة في خط ( ا . ب ) الغير المتناهى ، وتكون تلك النقطة أولى نقط المسامتات إذ ليس قبلها من قوس المسامتة شيء لكونها طرفها ، وحينئذ يتم البرهان كما حكيناه ، وكأن غرض المتقدمين في إيراد هذا البرهان بفرض الدائرة لا بمجرد فرض الخطين هو التنبيه على حل الشك المذكور ، والمتأخرون أسقطوا اعتبار الدائرة فيه ، وظنوا أنها زائدة فيه فبنوه على مجرد فرض الخطين ، وفي فرض الدائرة فائدة حل الشبهة المذكورة . هذا غاية ما عندي في تقرير هذا البرهان ، واللّه أعلم . ولقائل أن يقول إن النقطة التي هي طرف قوس المسامتة هي بعينها طرف قوس الانحراف لاتصال القوسين ، فهي الحد المشترك بين القوسين ، وإذا كان كذلك كانت النقطة التي إذا انطبق طرف الخط عليها كان موازيا للخط الآخر لا مسامتا ولا منحرفا هي هذه النقطة لا غير ، لأن سائر النقط إما نقط الانحراف وإما نقط المسامتة فليست نقطة الموازاة إلا هذه النقطة لكونها مشتركة بين قوسي الانحراف والمسامتة فيكون الخط عند وقوع طرفه على هذه النقطة موازيا للخط الآخر ، لا مسامتا فهذا إشكال لم يتأت ( لي ) حله ، فمن قدر على حله تم له البرهان نسأل اللّه تعالى أن يهدينا .