ابن ميمون

193

دلالة الحائرين

ويستمر وجود نوعه ، ولا يحتاج بوجه لشخص آخر من نوعه يعاونه ويعاضده على بقائه ، حتى يعمل له أشياء / لا يعملها هو بنفسه . أما الإنسان خاصة ، فإنه لو قدّر شخص منه وحده موجودا قد عدم التدبير وصار كالبهائم لتلف لوقته ذاك ، ولا يمكن لبثه ولو « 2077 » يوما واحدا إلا بالعرض ، اعني ان يجد بالاتفاق شيئا يغتذى به ، وذلك أن أغذيته التي بها قوامه تحتاج إلى صناعة وتدبير طويل لا يتم إلا بفكرة وروية ، وبآلات كثيرة وبأشخاص كثيرين أيضا ، ينفرد كل واحد منهم بشغل ما ، فلذلك يحتاج من يسوسهم ويجمعهم حتى ينتظم اجتماعهم ، ويستمر ليعاون بعضهم بعضا . وكذلك تقوية الحرّ في زمان الحرّ والبرد في زمان البرد وصيانته من الأمطار والثلوج وهبوب الرياح يحتاج إلى تهيئة استعدادات كثيرة كلها لا تتمّ إلا بفكرة وروية . ومن أجل ذلك وجدت فيه هذه القوة الناطقة التي بها يفكر ويروى ويعمل ويهئ بأنواع من الصناعات أغذيته وكنّه ولباسه وبها يدبّر جميع أعضاء جسمه حتى يفعل منها الرئيس ما يفعل ويتدبر المرءوس بما يتدبر . فلذلك لو قدرت شخصا من الناس مسلوبا هذه القوة متروكا مع الحيوانية فقط لتلف وباد لحينه . وهذه القوة شريفة جدا أشرف قوى الحيوان ، وهي أيضا خفية جدا لا تفهم حقيقتها ببادئ الرأي المشترك كفهم سائر القوى الطبيعية ، كذلك في الوجود أمر ما هو المدبّر لجملته المحرّك لعضوه الرئيس الأول الّذي أعطاه قوة التحريك حتى دبّر بها ما سواه / ولو قدّر بطلان ذلك الأمر ، بطل وجود هذه الكرة بأسرها الرئيس منها والمرءوس . وبذلك الأمر يستمر وجود الكرة وكل جزء منها وذلك الأمر هو الإله تعالى اسمه . وبحسب هذا المعنى فقط ، قيل في الإنسان خاصة إنه عالم صغير ، إذ وفيه مبدأ ما هو المدبّر لجميعه . ومن أجل هذا المعنى سمّى اللّه تعالى في لغتنا حياة العالم وقيل :

--> ( 2077 ) ولو : ت ، ولا : ج