ابن ميمون

172

دلالة الحائرين

مثلا ، فلا شك أن الهاء هو المحرّك للألف والباء والجيم والدال . وبالحقيقة قيل في تحرّك الألف أن الهاء فعله . وبهذه الجهة ينسب كل فعل في الوجود للّه ولو فعله من فعله من الفاعلين القريبين . كما سنبيّن ، فهو السبب الا بعد من جهة كونه فاعلا . وكذلك الصور الطبيعية الكائنة الفاسدة ، نجدها إذا تتبّعناها « 1933 » أنها لا بدّ أن تتقدّمها صورة أخرى تهيئ هذه المادة لقبول هذه الصورة وتلك الصورة الثانية تتقدّمها أيضا أخرى حتى ننتهى للصورة الأخيرة التي هي ضرورية في وجود هذه الصور المتوسّطة التي تلك المتوسّطة هي سبب هذه الصورة القريبة ، وتلك الصورة الأخيرة في جميع الوجود هو اللّه تعالى . ولا تظنّ أن قولنا فيه انه الصورة الأخيرة لجميع العالم هي إشارة للصورة « 1934 » الأخيرة التي يقول أرسطو عنها في ما بعد الطبيعة أنها غير كائنة ولا فاسدة ، لأن تلك الصورة المذكورة هناك طبيعية لا عقل مفارق « 1935 » ، لأن ليس قولنا عنه تعالى انه صورة العالم الأخيرة على مثال كون الصورة ذات المادة صورة لتلك المادة حتى يكون / هو تعالى صورة لجسم ليس على هذه الجهة قيل ، بل كما أن كل موجود ذي صورة إنما هو ما هو بصورته ، وإذا فسدت صورته فسد كونه ، وبطل كذلك مثل هذه النسبة بعينها نسبة الإله لجملة مبادئ الوجود البعيدة لأن بوجود الباري هو الكل موجود وهو ممدّ بقائه بالمعنى الّذي يكنّى عنه بالفيض كما نبيّن في بعض فصول هذه المقالة « 1936 » فلو قدّر عدم الباري لعدم الوجود كله ، وبطلت ماهية الأسباب البعيدة منه ، والمسبّبات الأخيرة وما بينها ، فهو اذن له بمنزلة الصورة للشيء الّذي له صورة الّذي بها هو ما هو ، وبالصورة تثبت حقيقته وماهيته . كذلك نسبة الإله للعالم وبهذه الجهة قيل فيه إنه الصورة الأخيرة وإنه صورة الصور ، أي أنه الّذي وجود كل صورة في العالم ، وقوامها

--> ( 1933 ) تتبعناها : ت ج ، تبعناه : ن ( 1934 ) هي إشارة للصورة : ت ج ، هي الصورة : ن ( 1935 ) عقل مفارق : ت ، عقلا مفارقا : ج ( 1936 ) انظر الجزء الثاني الفصل 12