ابن ميمون
171
دلالة الحائرين
والقصد هنا إنما هو التسوية بين هذين الاسمين وأنه كما نسمّيه فاعلا وإن كان مفعوله معدوما ، إذ ولا مانع ولا عائق له عن أن يفعل ، متى شاء ، كذلك يجوز أن نسمّيه علة وسببا بهذا المعنى بعينه / . وإن كان المعلول معدوما ، والّذي دعا الفلاسفة لتسميته تعالى علة وسببا ولم يسمّوه فاعلا ، ليس هو من أجل رأيهم المشهور في قدم العالم بل من أجل معان أخرى ها انا اقتضبها لك . قد بيّن في العلم الطبيعي وجود الأسباب ، لكل ما له سبب ، وأنها أربعة : المادة ، والصورة ، والفاعل ، والغاية . وان منها قريبة ومنها بعيدة ، وكل واحد من هذه الأربعة يتسمى سببا وعلة . ومن آرائهم التي لا أخالفها أنا ، أن اللّه عز وجل هو الفاعل ، وهو الصورة ، وهو الغاية . فلذلك قالوا إنه تعالى سبب وعلة ليعمّوا هذه الثلاثة أسباب ، وهو ان يكون فاعل العالم وصورته وغايته . وغرضى في هذا الفصل أن أبيّن لك على أي جهة قيل فيه تعالى إنه الفاعل ، وهو صورة العالم وهو غايته أيضا ولا تشغل ذهنك هنا بمعنى إحداثه للعالم أو لزومه عنه على رأيهم لأنه سيقع « 1931 » في ذلك كلام كثير لائق بهذا الغرض . وانما الغرض هنا كونه تعالى فاعلا لجزئيات الأفعال الواقعة في العالم كما هو فاعل العالم باسره . فأقول قد تبيّن في العلم الطبيعي أن هذه الأربعة أنواع من الأسباب ينبغي ان يطلب لكل سبب منها سبب أيضا ، فيوجد للشيء المتكوّن هذه الأربعة أسباب القريبة منه وتوجد لتلك أيضا أسباب ، وللأسباب أسباب إلى أن ينتهى للأسباب الأولى . مثل ان هذا الشيء المعقول وفاعله هو الكذا / . ولذلك الفاعل فاعل ، ولا يزال ذلك إلى أن يصل إلى محرّك اوّل ، هو الفاعل بالحقيقة لهذه المتوسّطات كلها . وذلك أن / إذا كان حرف ألف يحرّكه حرف باء وباء يحرّكه جيم وجيم يحركه دال ، ودال يحركه هاء . وهذا ما لا يمرّ إلى لا نهاية . فلنقف « 1932 » عند الهاء
--> ( 1931 ) سيقع : ت ج ، سيقطع : ن ( 1932 ) فلنقف : ت ، فلو وقف : ج