ابن ميمون

170

دلالة الحائرين

هو له تعالى وحده ، وخاصّ به هو كونه عقلا بالفعل دائما ، ولا عائق له عن الإدراك لا من ذاته ولا من غيره ، فلذلك يلزم أن يكون عاقلا وعقلا ومعقولا دائما ابدا ، وذاته : هي العاقلة وهي المعقولة وهي العقل ، كما يلزم في كل عقل بالفعل . وقد كررنا هذا المعنى في هذا الفصل مرات لكون الأذهان غريبة من هذا التصوّر جدا ، وما أراك يشكل عليك التصوّر العقلي بالتخيّل وأخذ مثل « 1927 » المحسوس في القوة المتخيلة ، إذ هذه المقالة ما ألفت إلا لمن تفلسف وعرف ما قد بان من امر النفس وجميع قواها . فصل سط [ 69 ] [ اطلاق الفلاسفة العلة الأولى على اللّه تعالى ] الفلاسفة كما علمت يسمّون اللّه تعالى العلّة / الأولى والسبب الأول . وهؤلاء المشهورون بالمتكلمين يهربون من هذه الاسمية جدا ويسمّونه الفاعل ، ويظنّون ان فرقا عظيما بين قولنا سبب وعلة ، وبين قولنا فاعل ، لأنهم « 1928 » قالوا إن قلنا إنه علة ، لزم وجود المعلول وهذا يؤدّى لقدم العالم ، وان العالم له « 1929 » على جهة اللزوم ، وان قلنا فاعل ، فلا يلزم من ذلك وجود المفعول معه لأن الفاعل قد يتقدم فعله ، بل لا يتصوّرون « 1930 » معنى كون الفاعل فاعلا إلا بأن يتقدم فعله . وهذا قول من لا يفرق بين ما بالقوة وبين ما بالفعل ، والّذي تعلمه أنه لا فرق بين قولك علة أو فاعل في هذا المعنى ، وذلك أنك إذا أخذت العلة أيضا بالقوة ، فهي تتقدم معلولها بالزمان ، أما إذا كانت علة بالفعل ، فان معلولها موجود بوجودها علة بالفعل ضرورة ، وكذلك متى أخذت الفاعل فاعلا بالفعل ، فإنه يلزم وجود مفعوله ضرورة لأن البنّاء قبل ان يبنى البيت ليس هو بنّاء بالفعل ، لكنه بنّاء بالقوة ، كما أن مادة ذلك البيت قبل ان يبنى ، بيت بالقوة ، فعند ما يبنى حينئذ هو بنّاء بالفعل ، ويلزم وجود شيء مبنىّ حينئذ ضرورة ، فما ربحنا شيئا في تفضيل اسمية فاعل على اسمية علة وسبب .

--> ( 1927 ) اخذ مثل : ت ، اكد مثال : ج ( 1928 ) لأنهم : ت ، لأنا : ج ( 1929 ) وان العالم له : ت ج ، وانه العالم علة : ن ، وان للعالم علة : ى ( 1930 ) لا يتصورون : ت ، لا يتصوروا : ج ، لا يتصور : ن