ابن ميمون
146
دلالة الحائرين
شيء تقع هل على جوهر ما أو على عرض ، ثم تبيّن لشخص آخر أنها ليست بعرض . ثم تبيّن لآخر أنها ليست بمعدن ، ثم تبيّن لآخر أنها ليست بحيوان ، ثم تبيّن لآخر أنها ليست بنبات متصل بالأرض ثم تبيّن لآخر أنها ليست بجسم واحد متصل اتصالا طبيعيا ، ثم تبيّن لآخر أنها ليست ذات شكل بسيط كالألواح والأبواب ، ثم تبيّن لآخر أنها ليست كرّة ، وتبيّن لآخر أنها ليست هي مخروطة ، وتبيّن لآخر أنها ليست مدوّرة ولا ذات أضلاع مستوية ، وتبيّن لآخر أنها لسيت مصمتة ، فتبيّن هو أن هذا الأخير يكاد أنه وصل لتصوّر السفينة على ما هي عليه بهذه الصفات السلبية ، وكأنه ساوى من تصوّرها بأنها جسم من خشب مجوّف مستطيل مؤلف من أخشاب عدّة الّذي قد تصوّرها بصفات الايجاب . أما المتقدمون الذين مثّلنا بهم ، فكل واحد منهم أبعد من تصوّر السفينة من الّذي بعده حتى أن الأول في مثلنا لا يعلم غير مجرد الاسمية فقط . فهكذا تقربك صفات السلب من معرفة اللّه تعالى وادراكه ، فاحرص كل الحرص أن تزداد سلب شيء بالبرهان ، لا أن تسلب بالقول فقط . فإنه كلما تبيّن لك بالبرهان سلب شيء مظنون وجوده له تعالى ، عنه ، كنت قد قربت منه درجة بلا شك . وبهذه الجهة صار قوم مقربين منه جدا . وآخرون في غاية البعد ، لا ان ثم قرب مكان فيقرب منه ويبعد كما يظن عميان / البصائر فافهم هذا جدا واعرفه ، وكن به غبيطا . فقد بان لك الطريق التي إذا سلكتها قربت منه تعالى فاسلكها إن شئت . وأما وصفه تعالى بالإيجابات ففيه خطر عظيم لأنه قد تبرهن ان كل ما عساه أن نظنه كمالا ، ولو كان ذلك الكمال موجودا له بحسب رأى من يقول بالصفات ، فإنه ليس من نوع الكمال الّذي نظنّه بل باشتراك يقال فقط على ما بينّا « 1659 » . فبالضرورة تخرج لمعنى السلب ، لأنك إذا قلت عالم بعلم واحد بذلك العلم الغير متغيّر ولا متكثر يعلم الأمور الكثيرة المتغيّرة
--> ( 1659 ) الفصل السابق ، 56