ابن ميمون
124
دلالة الحائرين
اما الّذي يعلم طبيعة النار ، فيعلم أن بكيفية واحدة فاعلة تفعل هذه الأفعال كلها ، وهي الحرارة ، فإذا كان هذا موجودا في ما يفعل بالطبع ، فناهيك في حق الفاعل بإرادة ، فناهيك في حقه تعالى الّذي علا على كل وصف لما أدركنا منه نسب « 1507 » مختلفة المعاني ، لان معنى العلم غير معنى القدرة فينا ومعنى القدرة غير معنى الإرادة ، فكيف « 1508 » نلزم من ذلك أن تكون فيه معان مختلفة ذاتية له ، حتى يكون فيه معنى به يعلم ومعنى به يريد ومعنى به يقدر ؟ إذ هذا هو معنى الصفات التي يقولونها . فقد يصرّح بعضهم بهذا ويعدد . المعاني الزائدة على الذات ، وبعضهم لا يصرّح بذلك ، لكن مصرّح في الاعتقاد ، وان لم يعبّر عنه بكلام مفهوم كقول بعضهم : قادر لذاته ، عالم لذاته ، حي لذاته ، مريد لذاته . وانا أمثّل لك بالقوة الناطقة الموجودة في الانسان فإنه قوة واحدة لا تكثير فيها ، وبها يحوز العلوم والصنائع وبها بعينها يخيط وينجر وينسج ويبنى ويعلم الهندسة ويسوس المدينة . فهذه أفاعيل مختلفة لازمة عن قوة واحدة بسيطة ، لا تكثير فيها ، وتلك الأفعال مختلفة جدا يكاد الّا يتناهى عددها ، اعني عدد الصنائع التي تبرزها القوة الناطقة ، فلا يستبعد في حق اللّه عز وجل أن تكون هذه الأفعال / المختلفة صادرة عن ذات واحدة بسيطة ، لا تكثير فيها ولا معنى زائد أصلا ، وتكون كل صفة موجودة في كتب الاله « 1509 » تعالى هي صفة فعله لا صفة ذاته « 1510 » أو دالّة على كمال مطلق ، لا أن ثم ذات [ ا ] مركّبة من معان مختلفة ، لأنه ليس بكونهم لا يطلقون لفظ التركيب يبطل معناه من الذات ذات الصفات ، لكن هنا موضع الشبهة التي دعتهم لذلك ، وهي هذه التي أبيّنها لك ، وذلك : أن هؤلاء الذين اعتقدوا الصفات ما يعتقدونها من اجل كثرة الأفعال بل يقولون نعم أن الذات الواحدة تفعل أفعالا مختلفة لكن الصفات الذاتية
--> ( 1507 ) نسبا : ج ، نسب : ت ( 1508 ) فكيف : ت ج ، كيف : ن ( 1509 ) كتب الا له : ت ج ، كتاب اللّه : ن ( 1510 ) صفة فعله لا صفة ذاته : ت ج ، صفة فعلية لا صفة ذاتية : ن