أبو سعيد بن نشوان الحميري

مقدمة 6

الحور العين

وكتب المقامات تكون في الغالب جارية في موضوعات أدبية ، روائية خيالية ، لا يتوخى فيها مؤلفوها بيان الواقع ، في كل المواقع ، بل مجرد بيان المعاني ، بألفاظ جزلة المباني ، تزويدا للمتأدبين ببلغة ، توصلهم إلى الاتساع في اللغة ، لكن صاحبنا هذا قد انتهج في مقامته هذه منهج الجد ، في كل ما أورد ، ناصحا لحاكم نال ثناء المؤلف عليه ، وحاز الرضى لديه ، وأردف تلك المقامة البديعة بتفسير غريب ألفاظها وشرح معانيها ، جائلا فيها كل مجال للكلام ، من لغة ونحو وصرف ، وعروض وقافية ، وأنباء عن الجاهلية وتأريخ ، للأديان والمذاهب والنحل ، وفقه ، وحديث وأمثال ، على طريقة مبتكرة في تحبيب شتى البحوث للباحثين ، بحيث لا يقدر مطالعها على أن يتخلى عن مطالعتها إلى أن يستنفد ما فيها ، فيتزود في خطوات مطالعتها بكل معنى شريف ، وبحث طريف . تراه عند ذكره لمعتقدات الجاهلية ينحو منحى كتاب البدء والتاريخ لمطهر ابن طاهر المقدسي في توزيع قبائلها على فرق الزيغ من سوى الوثنية ، وأوسع ما تعرض له من الموضوعات في هذا الكتاب بحث المذاهب والفرق والنحل ، لكنه اقتصر بيانه على أئمتها وأربابها ، ومصنفى الكتب وأصحابها ، غير مستطرد من الأصول إلى الفروع ، وغير ذاكر للتابع اكتفاء بذكر المتبوع ، وجل عنايته في باب الفرق باختلاف المختلفين من الأنام ، في معرفة المعبود والامام ، حيث اختصر الاختلاف في غير هذين الوجهين ، لكثرة تشعب آراء البشر في هذين الأمرين ، فذكر آراء الحكماء في حدوث العالم وقدمه ، ومعرفة الصانع وامتناع عدمه ، وأقوال طوائف الفلاسفة والسمنية والثنوية والصائبة والدهرية والبراهمة والخرمدينية والمزدكية والزرادشتية وبعض فرق اليهود ، ثم تجد إقحام ذكر كتب أفلاطون وأرسطو في الوسط ، وترجمهء أبى الهذيل العلاف المعتزلي المشهور بتوسع ، حتى ألم بمناظراته ووصفه بسعة العلم وكبر العقل ، ولا عجب في ذلك ، لأن كل امرئ معجب بامامه ؛ وبعد أن فرغ المطالع من النظر في الصفحات ( 145 - 161 )