السيد عبد الله الشبر

21

حق اليقين في معرفة أصول الدين

انتقالها بغيره وجريه في الماء بسوق الرياح وجعل البحر متوسطا بين الكثيف واللطيف إذ لو كان لطيفا مثل الهواء لغاص الفلك فيه ولو كان كثيفا مثل الأرض لما مشي عليه . وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ حيث ينزل المطر متقاطرا متعاقبا ولو نزل متصلا دفعة لأضر كلما يصيبه ونزوله في وقت دون آخر إذ لو دام نزوله لتعفنت البقول والنباتات واسترخت أبدان الناس والحيوان وفسد الهواء وأحدثت ضروبا من الأمراض والوباء وأفسد الطرق والبناء . ولو دام الصحو جفت الأرض واحترق النبات وغيض ماء العيون والأنهار ويبست الأشجار وحدث القحط والجدب والأمراض وهلكت الأرض ومن عليها وما فيها فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها من الزروع وسائر النباتات . وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ مختلفة في الطبائع والأخلاق والأشكال والإدراك والحواس ، والحركات والمنافع والاهتداء إلى طرق المعاش ( فمنها ) ما يمشي على بطنه كالحيات ( ومنها ) ما يمشي على رجلين كالإنسان ( ومنها ) ما يمشي على أربع كالفرس ( ومنها ) ما يمشي على أكثر كبعض الحشرات ( ومنها ) ما يمشي تارة ويطير أخرى كالطير ( ومنها ) ما يدخر قوته بحيلة وتدبير كالعنكبوت والنملة ( ومنها ) ما يطلب قوته عند الحاجة كالطير فإنها تذهب خماصا وتعود شباعا ( ومنها ) ما في خلقه صنع عجيب كالبعوضة فإنها مع صغرها على هيئة الفيل مع زيادة الجناحين ( ومنها ) ما لا يحتاج إلى بيت حيث كان من الأرض ( ومنها ) ما يبني بيتا على شكل عجيب وطرز غريب لا يهتدي إليه المهرة من المهندسين كالنحل . أما الإنسان فإنه إذا تأمل في نفسه عرف ربه ، فليعتبر حاله نطفة في الرحم وصيرورته جنينا حيث لا تراه عين ولا تناله يد مع اشتماله على جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الأحشاء والجوارح وسائر الأعضاء وهو محجوب في ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ، ولا حيلة له ولغيره في طلب غذائه ودفع أذاه ، فيجري إليه من دم الحيض ما يكون له غذاء فلا يزال غذاءه حتى إذا كمل خلقه واستحكم بدنه وقوي جلده على مباشرة الهواء وبصره على ملاقاة الضياء ، هاج الطلق بأمه فأزعجه أشد إزعاج حتى يولد ، فإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه في الرحم إلى ثدي أمه وانقلب طعمه ولونه إلى ضرب آخر من الغذاء ، فإذا جاع حرك شفتيه وألهم التقام ثدي أمه الذي خلق على ذلك الشكل الغريب والطرز العجيب وجعل ينضح كلما مصه ولو جرى لاختنق الصبي ، وجعل متعددا ليكون واحدا طعاما والآخر شرابا فلا يزال يتغذى باللبن ما