حسن حسن زاده آملى

44

الحجج البالغة على تجرد النفس الناطقة

في النفس ، فلو وجد في قوّة جسمانيّة لم يكن وجوده وجودا عقليا أو معقوليّا بل متخيلا ، ومعلوم أنّ الوحدة المطلقة لا يمكن أن تدرك بجسم وإلّا لكانت أجزاء . فإن قيل إنّ الوحدة قد تعرض أو تحمل على الجسم ؛ كان الجواب أنّ الوحدة المقدارية لها أقسام بالقوّة ، وأمّا الوحدة المطلقة المشروطة فيها أنّه لا قسم لها لا بالقوّة ولا بالفعل فإنّها مجرّدة . بل نقول : إنّ كل معنى فهو واحد ليس فيه من حيث وحدته شيء غير شيء ، ونحن ندرك تلك المعاني على هذه الصفة ، فلو كانت تدركها بقوّة جسمانية لكان يعرض أن يكون فيها شيء غير شيء فما كنا ندركها . وأيضا فانا ندرك أشياء غير مشار إليها ونحكم بأنّها غير مشار إليها ، فلو أدركت بقوّة جسمانية لكانت مشارا إليها . ( ص 810 ، ط إيران ) . وهذه الحجة هو الوجه الرابع من وجوه تجريد النفس في المواقف للقاضي عضد عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ، وقد أتى فيه بخمسة وجوه من وجوه التجريد فقط . عبارة المواقف مع شرح السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني عليه مزجا هكذا : الرابع منها أنّها تعقل الضدّين إذ تحكم بينهما بالتضادّ ، فلو كان مدركهما جسما أو جسمانيا لزم اجتماع السواد والبياض مثلا في جسم واحد وأنّه محال بديهة . والجواب أنّ صورتي الضدّين لا تضادّ بينهما لأنّهما تخالفان الحقيقة الخارجية ، فليس يلزم من ثبوت التضادّ بين الحقيقتين ثبوته بين الصورتين ولولا ذلك لما جاز قيامهما بالمجرّد أيضا لأنّ الضدّين لا يجتمعان في محل واحد ماديا كان أو مجرّدا . وإن سلّمنا تضادّ صورتي الضدّين فلم لا يجوز أن يقوم كل منهما بجزء من الجسم الذي يعقلهما معا غير الجزء الذي قام به الآخر ، فلا يلزم اجتماع المتضادّين في محل واحد . ( ص 458 ، ط القسطنطنية ) . وأنت بما قدّمنا حول هذه الحجة وغيرها تعلم أنّ كلّ واحد من قوله : انّ صورتي الضدّين لا تضادّ بينهما ، وانّ الضدّين لا يجتمعان في محل واحد ماديا كان أو مجرّدا ، ولا سيما إنّ قوله فلم لا يجوز أن يقوم - إلى آخره - بمعزل عن التحقيق فلا فائدة في إعادة لا عائدة فيها .