ابن قيم الجوزية
74
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
الصداقة لصفاء المودة والمخالة ، ومنه صدقني القتال وصدقني المودة ومنه قدم صدق ولسان صدق ومدخل صدق ومخرج صدق وذلك كله للحق الثابت المقصود الذي يرغب فيه بخلاف الكذب الباطل الذي لا شيء تحته وهو لا يتضمن أمرا ثابتا قط ، وفسر قوم قدم صدق بالجنة ، وفسر بالأعمال التي تنال بها الجنة وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من اللّه وفسر بالرسول الذي على يده وهدايته نالوا ذلك ، والتحقيق أن الجميع حق فإنهم سبقت لهم من اللّه الحسنى بتلك السابقة أي بالأسباب التي قدرها لهم على يد رسوله وأدخر لهم جزاءها يوم القيامة ولسان الصدق وهو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال وجميل الطرائق ؛ وفي كونه لسان صدق إشارة إلى مطابقته للواقع وأنه ثناء بحق لا بباطل ومدخل الصدق ومخرج الصدق هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامنا على اللّه وهو دخوله وخروجه باللّه وللّه ، وهذه الدعوة من أنفع الدعاء للعبد فإنه لا يزال داخلا في أمر وخارجا من أمر فمتى كان دخوله للّه وباللّه وخروجه كذلك كان قد أدخل مدخل صدق وأخرج مخرج صدق واللّه المستعان . الباب الثاني والعشرون في عدد الجنات وأنها نوعان جنتان من ذهب وجنتان من فضة الجنة اسم شامل لجميع ما حوته من البساتين والمساكن والقصور وهي جنات كثيرة جدا كما روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة « أتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت يا نبي اللّه ألا تحدثني عن حارثة ؟ وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب . فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء ، قال يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى » وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما ، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما . وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن » وقد قال تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فذكرهما ثم قال : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ فهذه أربع وقد اختلف في قوله ومن دونهما هل المراد به