ابن قيم الجوزية

75

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

أنهما فوقهما أو تحتهما على قولين فقالت طائفة من دونهما أي أقرب منهما إلى العرش فيكونان فوقهما . وقالت طائفة بل معنى من دونهما تحتهما قالوا وهذا المنقول في لغة العرب إذا قالوا هذا دون هذا أي دونه في المنزلة كما قال بعضهم لمن بالغ في مدحه ، أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك . وفي الصحاح دون نقيض فوق وهو تقصير عن الغاية ثم قال ويقال هذا دون هذا أي أقرب منه والسياق يدل على تفضيل الجنتين الأوليين من عشرة أوجه : ( أحدها ) قوله ذَواتا أَفْنانٍ وفيه قولان أحدهما أنه جمع فنن وهو الغصن والثاني أنه جمع فن وهو الصنف أي ذواتا أصناف شتى من الفواكه وغيرها ولم يذكر ذلك في اللتين بعدهما ( الثاني ) قوله فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ وفي الأخريين فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ والنضاخة هي الفوارة والجارية السارحة وهي أحسن من الفوارة فإنها تتضمن الفوران والجريان ( الثالث ) أنه قال : فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ وفي الأخريين : فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ولا ريب أن وصف الأوليين أكمل واختلف في هذين الزوجين بعد الاتفاق على أنهما صنفان فقالت طائفة الزوجان الرطب واليابس الذي لا يقصر في فضله وجودته عن الرطب ، وهو يتمتع به كما يتمتع باليابس وفيه نظر لا يخفى وقالت طائفة الزوجان صنف معروف وصنف من شكله غريب وقالت طائفة نوعان ولم تزد والظاهر واللّه أعلم أنه الحلو والحامض والأبيض والأحمر وذلك لأن اختلاف أصناف الفاكهة أعجب وأشهى وألذ للعين والفم ( الرابع ) أنه قال مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وهذا تنبيه على فضل الظهائر وخطرها وفي الأخريين قال مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ وفسر الرفرف بالمحابس والبسط وفسر بالفرش وفسر بالمحابس فوقها وعلى كل قول فلم يصفه بما وصف به فرش الجنتين الأوليين ( الخامس ) أنه قال وجنى الجنتين دان أي قريب وسهل يتناولونه كيف شاءوا ولم يذكر ذلك في الأخريين ( السادس ) أنه قال : فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ أي قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يرون غيرهم لرضاهن بهم ومحبتهن لهم وذلك يتضمن قصر أطراف أزواجهن عليهن فلا يدعهم حسنهن أن ينظروا إلى غيرهن وقال في الأخريين حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ومن قصرت طرفها على زوجها باختيارها أكمل ممن قصرت بغيرها ( السابع ) أنه وصفهن بشبه الياقوت والمرجان في صفاء اللون وإشراقه وحسنه ولم يذكر ذلك في التي بعدها ( الثامن ) أنه قال سبحانه وتعالى في الجنتين الأوليين : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا