ابن قيم الجوزية

69

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

داخله بالأشجار ويغطيه ولا يستحق هذا الاسم إلا موضع كثير الأشجار مختلف الأنواع والجنة بالضم ما يستجن به من ترس أو غيره ، ومنه قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً * أي يستترون بها من إنكار المؤمنين عليهم ، ومنه الجنة بالكسر الجن كما قال تعالى مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ * وذهبت طائفة من المفسرين إلى أن الملائكة يسمون جنة واحتجوا بقوله تعالى وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً قالوا وهذا النسب قولهم الملائكة بنات اللّه ورجحوا هذا القول بوجهين ( أحدهما ) أن النسب الذي جعلوه إنما زعموا أنه بين الملائكة وبينه لا بين الجن وبينه ( الثاني ) قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي قد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا القول محضرون للعذاب . والصحيح خلاف ما ذهب إليه هؤلاء ، وأن الجنة هم الجن نفسهم كما قال تعالى مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ * وعلى هذا ففي الآية قولان ( أحدهما ) قول مجاهد قال قالت كفار قريش : الملائكة بنات اللّه . فقال لهم أبو بكر فمن أمهاتهم ؟ قالوا سروات الجن . وقال الكلبي : قالوا تزوج من الجن فخرج من بينهما الملائكة . وقال قتادة قالوا صاهر الجن ( والقول الثاني هو ) قول الحسن قال : أشركوا الشياطين في عبادة اللّه فهو النسب الذي جعلوه والصحيح قول مجاهد وغيره وما احتج به أصحاب القول الأول ليس بمستلزم لصحة قولهم فإنهم لما قالوا الملائكة بنات اللّه وهم من الجن عقدوا بينه وبين الجن نسبا بهذا الإيلاد وجعلوا هذا النسب متولدا بينه وبين الجن وأما قوله وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ فالضمير يرجع إلى الجنة أي قد علمت الجنة أنهم محضرون الحساب قاله مجاهد أي لو كان بينه وبينهم نسب لم يحضروا للحساب كما قال تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ؟ فجعل سبحانه عقوبتهم بذنوبهم وإحضارهم للعذاب مبطلا لدعواهم الكاذبة وهذا التقدير في الآية أبلغ في إبطال قولهم من التقدير الأول فتأمله والمقصود ذكر أسماء الجنة . ( فصل ) ( الاسم الثاني ) دار السلام وقد سماها اللّه بهذا الاسم في قوله لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقوله وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وهي أحق بهذا الاسم فإنها دار السلامة من كل بلية وآفة ومكروه وهي دار اللّه واسمه سبحانه وتعالى السلام الذي