ابن قيم الجوزية

39

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

جاءت آثار بأن الملائكة تغرس فيها وتبنى للعبد ما دام يعمل فإذا فتر فتر الملك عن العمل . قالوا وقد روى ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي موسى الأشعري قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا قبض اللّه ولد العبد قال يا ملك الموت قبضت ولد عبدي ، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده ؟ قال نعم قال فما قال ؟ قال حمدك واسترجع قال ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد » وفي المسند من حديثه أيضا قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة سوى الفريضة بنى اللّه له بيتا في الجنة » قالوا وليس هذا من أقوال أهل البدع والاعتزال كما زعمتم فهذا ابن مزين قد ذكر في تفسيره عن ابن نافع وهو من أئمة السنة أنه سئل عن الجنة أمخلوقة هي ؟ فقال السكوت عن هذا أفضل واللّه أعلم . الباب الثامن في الجواب عما احتجت به هذه الطائفة قد تقدم في الباب الأول من ذكر الأدلة الدالة على وجود الجنة الآن ما فيه كفاية فنقول ما تعنون بقولكم إن الجنة لم تخلق بعد ، أتريدون أنها الآن عدم محض لم تدخل إلى الوجود بعد بل هي بمنزلة النفخ في الصور وقيام الناس من القبور ؟ فهذا قول باطل يرده المعلوم بالضرورة من الأحاديث الصريحة الصحيحة التي تقدم بعضها وسيأتي بعضها وهذا قول لم يقله أحد من السلف ولا أهل السنة وهو باطل قطعا . أم تريدون أنها لم تخلق بكمالها ، وجميع ما أعد اللّه فيها لأهلها وأنها لا يزال اللّه يحدث فيها شيئا بعد شيء وإذا دخلها المؤمنون أحدث اللّه فيها عند دخولهم أمورا أخر فهذا حق لا يمكن رده ، وأدلتكم هذه إنما دلت على هذا القدر وحديث ابن مسعود الذي ذكرتموه وحديث أبي الزبير عن جابر صريحان في أن أرضها مخلوقة وأن الذكر ينشئ اللّه سبحانه لقائله منه غراسا في تلك الأرض ، وكذا بناء البيوت فيها بالأعمال المذكورة والعبد كلما وسع في أعمال البر وسع له في الجنة وكلما عمل خيرا غرس له به هناك غراس وبنى له بناء ، وأنشئ له من عمله أنواع مما يتمتع به فهذا القدر لا يدل على أن الجنة لم تخلق بعد ولا يسوغ إطلاق ذلك ، وأما احتجاجكم بقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فإنما أتيتم من عدم فهمكم معنى الآية واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن نظير احتجاج إخوانكم بها على