ابن قيم الجوزية
40
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
فنائهما وخرابهما وموت أهلهما فلا أنتم وفقتم لفهم معناها ولا إخوانكم ، وإنما وفق لفهم معناها السلف وأئمة الإسلام ، ونحن نذكر بعض كلامهم في الآية قال البخاري في صحيحه يقال كل شيء هالك إلا وجهه إلا ملكه ويقال إلا ما أريد به وجهه وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللّه فأما السماء والأرض فقد زالتا لأن أهلهما صاروا إلى الجنة وإلى النار وأما العرش فلا يبيد ولا يذهب لأنه سقف الجنة واللّه سبحانه وتعالى عليه فلا يهلك ولا يبيد ، وأما قوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فذلك أن اللّه سبحانه وتعالى أنزل كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ فقالت الملائكة هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء فأخبر اللّه تعالى عن أهل السماوات وأهل الأرض أنهم يموتون فقال كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ يعني ميت إلا وجهه لأنه حي لا يموت فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت انتهى كلامه وقال في رواية أبي العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب الأصطخري ذكره أبو الحسين في كتاب الطبقات قال قال أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب نبينا صلى اللّه عليه وسلم إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق وساق أقوالهم إلى أن قال وقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت النار وما فيها خلقهما اللّه عز وجل وخلق الخلق لهما ولا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبدا فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول اللّه عز وجل كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وبنحو هذا من متشابه القرآن قيل له كل شيء مما كتب اللّه عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة ولا عند النفخة ولا أبدا لأن اللّه عز وجل خلقهن للبقاء لا للفناء ولم يكتب عليهن الموت فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضل عن سواء السبيل . وخلق سبع سماوات بعضها فوق بعض وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام والماء فوق السماء العليا السابعة وعرش الرحمن عز وجل فوق الماء وأن اللّه عز وجل على العرش والكرسي موضع قدميه وهو يعلم ما في السماوات والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى وما في قعر البحر ومنبت كل شعرة وشجرة وكل زرع وكل نبات