ابن قيم الجوزية

277

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

اختلف المفسرون في الذرية في هذه الآية هل المراد بها الصغار أو الكبار أو النوعان ؟ على ثلاثة أقوال واختلافهم مبني على أن قوله بإيمان حال من الذرية التابعين أو المؤمنين المتبوعين فقالت طائفة المعنى والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم في إيمانهم فأتوا من الإيمان بمثل ما أتوا به ألحقناهم بهم في الدرجات قالوا ويدل على هذا قراءة من قرأ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ فجعل الفعل في الاتباع لهم ، قالوا وقد أطلق اللّه سبحانه الذرية على الكبار كما قال وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وقال ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وقال وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وهذا قول الكبار العقلاء ، ( قالوا ) ويدل على ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس يرفعه « إن اللّه يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بهم عينه » فهذا يدل على أنهم دخلوا بأعمالهم ولكن لم يكن لهم أعمال يبلغوا بها درجة آبائهم فبلغهم إياها وإن تقاصر عملهم عنها ( قالوا ) وأيضا فالإيمان هو القول والعمل والنية وهذا إنما يمكن من الكبار وعلى هذا فيكون المعنى أن اللّه سبحانه يجمع ذرية المؤمن إليه إذا أتوا من الإيمان بمثل إيمانه إذ هذه حقيقة التبعية وإن كانوا دونه في الإيمان رفعهم اللّه إلى درجته إقرارا لعينه وتكميلا لنعيمه وهذا كما أن زوجات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معه في الدرجة تبعا وإن لم يبلغوا تلك الدرجة بأعمالهن ( وقالت طائفة أخرى ) الذرية هاهنا الصغار والمعنى والذين آمنوا أو أتبعناهم ذرياتهم في إيمان الآباء والذرية تتبع الآباء وإن كانوا صغارا في الإيمان وأحكامه من الميراث والدية والصلاة عليهم والدفن في قبور المسلمين وغير ذلك إلا فيما كان من أحكام البالغين ويكون قوله بإيمان على هذا في موضع نصب على الحال من المفعولين أي وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان الآباء ( قالوا ) ويدل على صحة هذا القول أن البالغين لهم حكم أنفسهم في الثواب والعقاب فإنهم مستقلون بأنفسهم ليسوا تابعين الآباء في شيء من أحكام الدنيا ولا أحكام الثواب والعقاب لاستقلالهم بأنفسهم ولو كان المراد بالذرية البالغين لكان أولاد الصحابة البالغون كلهم في درجة آبائهم وتكون أولاد التابعين البالغون كلهم في درجة آبائهم وهلم جرا إلى يوم القيامة فيكون الآخرون في درجة السابقين . ( قالوا ) ويدل عليه أيضا أنه سبحانه جعلهم معهم تبعا في الدرجة كما جعلهم تبعا معهم في الإيمان ولو كانوا بالغين لم يكن إيمانهم تبعا بل إيمان استقلال ( قالوا ) ويدل عليه أن اللّه سبحانه جعل المنازل في الجنة بحسب الأعمال في حق المستقلين وأما الاتباع فإن اللّه سبحانه