ابن قيم الجوزية
269
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
عمل عقابا فهو فيه بالخيار » وقال أبو الشيخ الأصبهاني حدثنا محمد بن حمزة حدثنا أحمد ابن الخليل حدثنا الأصمعي قال : « جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال يا أبا عمرو يخلف اللّه وعده ؟ قال لا ، قال أفرأيت من أوعده اللّه على عمله عقابا أيخلف اللّه وعده عليه ؟ فقال أبو عمرو بن العلاء من العجمة أتيت يا أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد عارا ولا خلفا أن تعد شرا ثم لا تفعله ترى ذلك كرما وفضلا وإنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله ، قال فأوجدني هذا في كلام العرب قال نعم أما سمعت إلى قول الأول : ولا يرهب ابن العم ما عشت سطوتي * ولا أختشي من صولة المتهدد وإني وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي قال أبو الشيخ وقال يحيى بن معاذ الوعد والوعيد حق فالوعد حق العباد على اللّه ضمن لهم إذا فعلوا كذا أن يعطيهم كذا ومن أولى بالوفاء من اللّه ، والوعيد حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فأعذبكم ففعلوا فإن شاء عفا وإن شاء أخذ لأنه حقه وأولاهما بربنا تبارك وتعالى العفو والكرم إنه غفور رحيم ، ومما يدل على ذلك ويؤيده خبر كعب بن زهير حين أوعده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : نبئت أن رسول اللّه أوعدني * والعفو عند رسول اللّه مأمول فإذا كان هذا في وعيد مطلق فكيف بوعيد مقرون باستثناء معقب بقوله إن ربك فعال لما يريد وهذا إخبار منه أنه يفعل ما يريد عقيب قوله إلا ما شاء ربك فهو عائد إليه ولا بد ، ولا يجوز أن يرجع إلى المستثنى منه وحده بل إما أن يختص بالمستثنى أو يعود إليهما وغير خاف أن تعلقه بقوله إلا ما شاء ربك أولى من تعلقه بقوله خالدين فيها وذلك ظاهر للمتأمل وهو الذي فهمه الصحابة فقالوا أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن ، ولم يريدوا بذلك الاستثناء وحده فإن الاستثناء مذكور في الأنعام أيضا وإنما أرادوا أنه عقب الاستثناء بقوله أن ربك فعال لما يريد وهذا التعقيب نظير قوله في الأنعام خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ فأخبر أن عذابهم في جميع الأوقات ورفعه عنهم في وقت يشاؤه صادر عن كمال علمه وحكمته لا عن مشيئة مجردة عن الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل إذ يستحيل تجرد مشيئته عن ذلك ، ( الوجه الرابع والعشرون ) أن جانب الرحمة أغلب في هذه الدار الباطلة الفانية الزائلة عن قرب من جانب العقوبة والغضب ولولا ذلك لما