ابن قيم الجوزية
270
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
عمرت ولا قام لها وجود كما قال تعالى وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وقال وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ فلولا سعة رحمته ومغفرته وعفوه لما قام العالم ومع هذا فالذي أظهره من الرحمة في هذه الدار وأنزله بين الخلائق جزء من مائة جزء من الرحمة فإذا كان جانب الرحمة قد غلب في هذه الدار ونالت البر والفاجر والمؤمن والكافر مع قيام مقتضى العقوبة به ومباشرته له وتمكنه من إغضاب ربه والسعي في مساخطته فكيف لا يغلب جانب الرحمة في دار تكون الرحمة فيها مضاعفة على ما في هذه الدار تسعا وتسعين ضعفا ، وقد أخذ العذاب من الكفار مأخذه وانكسرت تلك النفوس ونهكها العذاب وأذاب منها خبثا وشرا لم يكن يحول بينها وبين رحمته لها في الدنيا بل كان يرحمها مع قيام مقتضى العقوبة والغضب بها فكيف إذا زال مقتضى الغضب والعقوبة وقوي جانب الرحمة أضعاف أضعاف الرحمة في هذه الدار واضمحل الشر والخبث الذي فيها فأذابته النار وأكلته ، وسر الأمر أن أسماء الرحمة والإحسان أغلب وأظهر وأكثر من أسماء الانتقام وفعل الرحمة أكثر من فعل الانتقام ، وظهور آثار الرحمة أعظم من ظهور آثار الانتقام ، والرحمة أحب إليه من الانتقام ، وبالرحمة خلق خلقه ولها خلقهم ، وهي التي سبقت غضبه وغلبته وكتبها على نفسه ووسعت كل شيء وما خلق بها فمطلوب لذاته ، وما خلق بالغضب فمراد لغيره كما تقدم تقرير ذلك والعقوبة تأديب وتطهير ، والرحمة إحسان وكرم وجود والعقوبة مداواة ، والرحمة عطاء وبذل . ( الوجه الخامس والعشرون ) إنه سبحانه لا بد أن يظهر لخلقه جميعهم يوم القيامة صدقه وصدق رسله وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين المفترين ، ويظهر لهم حكمه الذي هو أعدل حكم في أعدائه وأنه حكم فيهم حكما يحمدونه هم عليه فضلا عن أوليائه وملائكته ورسله بحيث ينطق الكون كله بالحمد للّه رب العالمين ولذلك قال تعالى : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فحذف فاعل القول لإرادة الإطلاق وإن ذلك جار على لسان كل ناطق وقلبه ، قال الحسن لقد دخلوا النار وأن قلوبهم لممتلئة من حمده ما وجدوا عليه سبيلا * وهذا هو الذي حسن حذف الفاعل من قوله قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها حتى كان الكون جميعه قائل ذلك لهم إذ هو حكمه العدل فيهم ومقتضى حكمته وحمده * وأما أهل الجنة فقال تعالى وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ فهم لم يستحقوها بأعمالهم وإنما استحقوها بعفوه