ابن قيم الجوزية

266

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

تكون الجنة جزاء لهم عليه فإذا أخذ العذاب من هذه النفوس مأخذه وبلغت العقوبة مبلغها فانكسرت تلك النفوس وخضعت وذلت واعترفت لربها وفاطرها بالحمد ، وأنه عدل فيها كل العدل ، وأنها في هذه الحال كانت في تخفيف منه ولو شاء أن يكون عذابهم أشد من ذلك لفعل وشاء كتب العقوبة طلبا لموافقة رضاه ومحبته وعلم أن العذاب أولى بها وأنه لا يليق بها سواه ولا تصلح إلا له فذابت منها تلك الخبائث كلها وتلاشت وتبدلت بذل وانكسار وحمد وثناء على الرب تبارك وتعالى لم يكن في حكمته أن يستمر بها في العذاب بعد ذلك إذ قد تبدل شرها بخيرها ، وشركها بتوحيدها وكبرها بخضوعها وذلها . ولا ينتقض هذا بقوله عز وجل وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ فإن هذا قبل مباشرة العذاب الذي يزيل تلك الخبائث وإنما هو عند المعاينة قبل الدخول فإنه سبحانه قال وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فهذا إنما قالوه قبل أن يستخرج العذاب منهم تلك الخبائث ، فأما إذا لبثوا في العذاب أحقابا والحقب كما رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « الحقب خمسون ألف سنة » فإنه من الممتنع أن يبقى ذلك الكبر والشرك والخبث بعد هذه المدد المتطاولة في العذاب ؛ ( الوجه العشرون أنه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة « فيقول اللّه عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيها في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء اللّه الذين أدخلهم اللّه الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه » فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار ، وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير فإن لفظ الحديث هكذا « فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول اللّه عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض اللّه قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط » فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة