ابن قيم الجوزية
267
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
ومن هذا رحمته سبحانه للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت اللّه سبحانه فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا فقال له حملك على ما صنعت ؟ قال خشيتك وأنت أعلم فما تلافاه أن رحمه اللّه فلله سبحانه في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر وقد ثبت في حديث أنس رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يقول اللّه عز وجل أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام » قالوا ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من أولها إلى آخرها لم يذكر ربه يوما واحدا ولا خافه ساعة واحدة ولا ريب أن رحمته سبحانه إذا أخرجت من النار من ذكره وقتا أو خافه في مقام ما ، فغير بدع أن تفنى النار ولكن هؤلاء خرجوا منها وهي نار ( الوجه الحادي والعشرون ) أن اعتراف العبد بذنبه حقيقة الاعتراف المتضمن لنسبة السوء والظلم واللوم إليه من كل وجه ونسبة العدل والحمد والرحمة والكمال المطلق إلى ربه من كل وجه يستعطف ربه تبارك وتعالى عليه ويستدعي رحمته له وإذا أراد أن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه والرحمة معه ولا سيما إذا اقترن بذلك جزم العبد على ترك المعاودة لما يسخط ربه عليه وعلم اللّه أن ذلك داخل قلبه وسويدائه فإنه لا تتخلف عنه الرحمة مع ذلك ، وفي معجم الطبراني من حديث يزيد بن بن سنان الرهاوي عن سليمان بن عامر عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أن آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبطن كالغلام يضربه أبوه وهو يفر منه يعجز عنه عمله أن يسعى فيقول يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار فيوحي اللّه تبارك وتعالى إليه عبدي إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة أتعترف لي بذنوبك وخطاياك فيقول العبد نعم يا رب وعزتك وجلالك إن نجيتني من النار لاعترفن لك بذنوبي وخطاياي فيجوز الجسر ويقول العبد فيما بينه وبين نفسه لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار ، فيوحي اللّه إليه عبدي اعترف لي بذنوبك وخطاياك أغفرها لك وأدخلك الجنة فيقول العبد لا وعزتك وجلالك ما أذنبت ذنبا قط ولا أخطأت خطيئة قط فيوحي اللّه إليه عبدي إن لي عليك بينة فيلتفت العبد يمينا وشمالا فلا يرى أحدا فيقول يا رب أرني بينتك فيستنطق اللّه تعالى جلده بالمحقرات فإذا رأى ذلك العبد فيقول يا رب عندي وعزتك العظائم فيوحي اللّه إليه عبدي أنا أعرف بها منك اعترف لي بها أغفرها لك وأدخلك الجنة فيعترف العبد بذنوبه فيدخل الجنة ثم ضحك رسول