ابن قيم الجوزية
265
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
المراد به ، فإن الغاية المطلوبة إذا كانت دائمة لا تزول لم يزل ما تعلق بها بخلاف الغاية المضمحلة الفانية فما أريد به غير اللّه يضمحل ويزول بزوال مراده ومطلوبه ، وما أريد به وجه اللّه يبقى ببقاء المطلوب المراد فإذا اضمحلت الدنيا وانقطعت أسبابها وانتقل ما كان فيها لغير اللّه ، من الأعمال والذوات وانقلب عذابا وآلاما لم يكن له متعلق يدوم بدوامه بخلاف النعيم ( الوجه الثامن عشر ) أنه ليس في حكمة أحكم الحاكمين أن يخلق خلقا يعذبهم أبد الآباد عذابا سرمدا لا نهاية له ولا انقطاع أبدا وقد دلت الأدلة السمعية والعقلية والفطرية على أنه سبحانه حكيم وأنه أحكم الحاكمين فإذا عذب خلقه عذبهم بحكمة كما يوجد التعذيب والعقوبة في الدنيا في شرعه وقدره فإن فيه من الحكم والمصالح وتطهير العبد ومداواته وإخراج المواد الردية عنه بتلك الآلام ما تشهده العقول الصحيحة وفي ذلك من تزكية النفوس وصلاحها وزجرها وردع نظائرها وتوقيفها على فقرها وضرورتها إلى ربها وغير ذلك من الحكم والغايات الحميدة ما لا يعلمه إلا اللّه ، ولا ريب أن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا يحاسبون إذا قطعوا الصراط على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ومعلوم أن النفوس الشريرة الخبيثة المظلمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه لا يصلح أن تسكن دار السلام في جوار رب العالمين ، فإذا عذبوا بالنار عذابا تخلص نفوسهم من ذلك الخبث والوسخ والدرن كان ذلك من حكمة أحكم الحاكمين ورحمته ولا ينافي الحكمة خلق نفوس فيها شر يزول بالبلاء الطويل والنار كم يزول بها خبث الذهب والفضة والحديد فهذا معقول في الحكمة وهو من لوازم العالم المخلوق على هذه الصفة ، أما خلق نفوس لا يزول شرها أبدا وعذابها لا انتهاء له فلا يظهر في الحكمة والرحمة وفي وجود مثل هذا النوع نزاع بين العقلاء أعني ذواتا هي شر من كل وجه ليس فيها شيء من خير أصلا وعلى تقدير دخوله في الوجود فالرب تبارك وتعالى قادر على قلب الأعيان وإحالتها وإحالة صفاتها فإذا وجدت الحكمة المطلوبة من خلق هذه النفوس والحكمة المطلوبة من تعذيبها فاللّه سبحانه قادر أن ينشئها نشأة أخرى غير تلك النشأة ويرحمها في النشأة الثانية نوعا آخر من الرحمة ( يوضحه الوجه التاسع عشر ) وهو أنه قد ثبت أن اللّه سبحانه ينشئ للجنة خلقا آخر يسكنهم إياها ولم يعملوا خيرا