ابن قيم الجوزية
246
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
( فصل ) وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام فيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين « قلت » هاهنا أقوال سبعة ( أحدها ) أن من دخلها لا يخرج منها أبدا بل كل من دخلها مخلد فيها أبد الآباد بإذن اللّه وهذا قول الخوارج والمعتزلة ( والثاني ) أن أهلها يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي ( قال في فصوصه ) الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات فيثنى عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل بالتجاوز ( فلا تحسبن اللّه مخلف وعده رسله ) لم يقل وعيده بل قال ( ويتجاوز عن سيئاتهم ) مع أنه توعد على ذلك ، وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وقد زال الإمكان في حق الحق لما فيه من طلب المرجح : فلم يبق إلا صادق الوعد وحده * وما لوعيد الحق عين تعاين وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم * على لذة فيها نعيم مباين نعيم جنان الخلد والأمر واحد * وبينهما عند التجلي تباين يسمى عذابا من عذوبة طعمه * وذاك له كالقشر والقشر صائن وهذا في طرف والمعتزلة الذين يقولون لا يجوز على اللّه أن يخلف وعيده بل يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف ، فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وهذا عنده لا يعذب بها أحد أصلا والفريقان مخالفان لما علم بالاضطرار أن الرسول جاء به وأخبر به عن اللّه عز وجل ( الثالث ) قول من يقول إن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها قوم آخرون ، وهذا القول حكاه اليهود للنبي صلى اللّه عليه وسلم فأكذبهم فيه وقد أكذبهم اللّه تعالى في القرآن فيه فقال تعالى وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ؟ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ، بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وقال تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ