ابن قيم الجوزية
242
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
يخرجون منها وإن كانت بمعنى الوقت فهو مدة احتباسهم في البرزخ والموقف ، قال الجعفي سألت عبد اللّه بن وهب عن هذا الاستثناء فقال سمعت فيه أنه قدر وقوفهم في الموقف يوم القيامة إلى أن يقضي بين الناس ( وقالت فرقة أخرى ) الاستثناء راجع إلى مدة لبثهم في الدنيا وهذه الأقوال متقاربة ويمكن الجمع بينها بأن يقال أخبر سبحانه عن خلودهم في الجنة كل وقت إلا وقتا يشاء أن لا يكونوا فيها وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي البرزخ وفي موقف القيامة وعلى الصراط وكون بعضهم في النار مدة وعلى كل تقدير فهذه الآية من المتشابه وقوله فيها عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ محكم وكذلك قوله إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ وقوله أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها وقوله وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ وقد أكد اللّه سبحانه خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن وأخبر أنهم لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى وهذا الاستثناء منقطع وإذا ضممته إلى الاستثناء فيه قوله إلا ما شاء ربك تبين لك المراد من الآيتين واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية وذاك مفارقة للجنة تقدم على خلودهم فيها وباللّه التوفيق وقد تقدم قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « من يدخل الجنة ينعم ولا يبؤس ويخلد ولا يموت » وقوله « ينادي مناد يا أهل الجنة أن لكم أن تضحوا فلا تسقموا أبدا ، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا ، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا » وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم يقال يا أهل الجنة فيطلعون مشفقين ويقال يا أهل النار فيطلعون فرحين فيقال هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت » . ( فصل ) وهذا موضع اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة أقوال ( أحدها ) أن الجنة والنار فانيتان غير أبديتين بل كلاهما حادثتان فهما فانيتان ( والقول الثاني ) أنهما باقيتان دائمتان لا يفنيان أبدا ( والقول الثالث ) أن الجنة باقية أبدية والنار فانية ونحن نذكر هذه الأقوال وما قابلها وما احتج به أرباب كل قول ونرد ما خالف كتاب اللّه وسنة رسوله فأما القول بفنائهما فهو قول قاله جهم بن صفوان إمام المعطلة الجهمية وليس له فيه