ابن قيم الجوزية
243
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
سلف قط من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام ولا قال به أحد من أهل السنة وهذا القول مما أنكره عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام وكفروهم به وصاحوا بهم من أقطار الأرض كما ذكره عبد اللّه بن الإمام أحمد في كتاب السنة عن خارجة بن مصعب أنه قال كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب اللّه عز وجل بقول اللّه سبحانه وتعالى أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها وهم يقولون لا يدوم ، وبقول اللّه تعالى إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ وهم يقولون ينفد ، وبقول اللّه عز وجل ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ( قال شيخ الإسلام ) وهذا قاله جهم لأصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث وهو عمدة أهل الكلام التي استدلوا بها على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يحل من الحوادث وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنع في المستقبل فدوام الفعل ممتنع عنده على الرب تبارك وتعالى في المستقبل كما هو ممتنع عنده عليه في الماضي وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل لكن قال إن هذا يقتضي فناء الحركات لكونها متعاقبة شيئا بعد شيء فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة ( وزعمت فرقة ) ممن وافقهم على امتناع حوادث لا نهاية لها أن هذا القول مقتضى العقل لكن لما جاء السمع ببقاء الجنة والنار قلنا بذلك ، وكأن هؤلاء لم يعلموا إن ما كان ممتنعا في في العقل لا يجيء الشرع بوقوعه إذ يستحيل عليه أن يخبر بوجود ما هو ممتنع في العقل وكأنهم لم يفرقوا بين محالات العقول ومجازاتها فالسمع يجيء بالثاني لا بالأول فالسمع يجيء بما يعجز العقل عن إدراكه ولا يستقل به ولا يجيء بما يعلم العقل إحالته ، والأكثرون الذين وافقوا جهما وأبا الهذيل على هذا الأصل فرقوا بين الماضي والمستقبل ، وقالوا الماضي قد دخل في الوجود بخلاف المستقبل ، والممتنع إنما هو دخول ما لا يتناهى في الوجود لا تقدير دخوله شيئا بعد شيء قالوا وهذا نظير أن يقول القائل لا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده درهما آخر فهذا ممكن ، والأول نظير أن يقول لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله درهما فهذا محال ، وهؤلاء عندهم وجود ما لا يتناهى في الماضي محال ووجوده في المستقبل واجب ، ونازعهم في ذلك آخرون فقالوا بل الأمر في الماضي كهو في المستقبل ولا فرق بينهما بل الماضي والاستقبال أمر نسبي فكل ما يكون مستقبلا يصير ماضيا وكل