ابن قيم الجوزية
241
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
عن قوم مخصوصين وهم هؤلاء ( والثاني ) وهو إلا ظهر أن يكون وقع عن جملة السعداء والتخصيص بالمذكورين هو في الاستثناء وما دل عليه ، وأحسن من هذين التقديرين أن ترد المشيئة إلى الجميع حيث لم يكونوا في الجنة في الموقف وعلى هذا فلا يبقى في الآية تخصيص ( وقالت فرقة أخرى ) هو استثناء استثناه الرب تعالى ولا يفعله كما تقول واللّه لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا تراه بل تجزم بضربه ( وقالت فرقة أخرى ) العرب إذا استثنت شيئا كثيرا مع مثله ومع ما هو أكثر منه كان معنى إلا في ذلك ومعنى الواو سواء والمعنى على هذا سوى ما شاء اللّه من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض هذا قول الفراء ( وسيبويه ) يجعل إلا بمعنى لكن ( قالوا ) ونظير ذلك أن تقول لي عليك ألف إلا الألفين الذين قبلها أي سوى الألفين قال ابن جرير وهذا أحب الوجهين إلى لأن اللّه تعالى لا خلف لوعده وقد وصل الاستثناء بقوله عطاء غير مجذوذ ، قالوا ونظيره أن تقول أسكنتك داري حولا إلا ما شئت أي سوى ما شئت أو لكن ما شئت من الزيادة عليه ( وقالت فرقة أخرى ) هذا الاستثناء إنما هو مدة احتباسهم عن الجنة ما بين الموت والبعث وهو البرزخ إلى أن يصيروا إلى الجنة ثم هو خلود الأبد فلم يغيبوا عن الجنة إلا بمقدار إقامتهم في البرزخ ( وقالت فرقة أخرى ) العزيمة قد وقعت لهم من اللّه بالخلود الدائم إلا أن يشاء اللّه خلاف ذلك إعلاما لهم بأنهم مع خلودهم في مشيئته وهذا كما قال لنبيه وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وقوله فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وقوله قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ونظائره وأخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ( وقالت فرقة أخرى ) المراد بمدة دوام السماوات والأرض في هذا العالم فأخبر سبحانه أنهم خالدون في الجنة مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء اللّه أن يزيدهم عليه ولعل هذا قول من قال أن إلا بمعنى سوى ولكن اختلفت عبارته وهذا اختبار ابن قتيبة قال المعنى خالدين فيها مدة العالم سوى ما شاء أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم ( وقالت فرقة أخرى ) ما بمعنى من كقوله فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ والمعنى إلا من شاء ربك أن يدخله النار بذنوبه من السعداء ( والفرق ) بين هذا القول وبين أول الأقوال أن الاستثناء على ذلك القول من المدة وعلى هذا القول من الأعيان ( وقالت فرقة أخرى ) المراد بالسماوات والأرض سماء الجنة وأرضها وهما باقيتان أبدا ( وقوله ) إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ * إن كانت ما بمعنى من فهم الذين يدخلون النار ثم