ابن قيم الجوزية
203
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
البصير ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير . ( فصل ) ( الدليل السابع ) قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وأنت إذا أجرت هذه الآية من تحريفها عن مواضعها والكذب على المتكلم بها سبحانه فيما أراده منها وجدتها منادية نداء صريحا أن اللّه سبحانه يرى عيانا بالأبصار يوم القيامة ، وإن أبيت إلا تحريفها الذي يسميه المحرفون تأويلا فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والحساب أسهل على أربابه من تأويلها وتأويل كل نص تضمنه القرآن والسنة كذلك ولا يشاء مبطل على وجه الأرض أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول مثل هذه النصوص ، وهذا الذي أفسد الدين والدنيا ، وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة إلى الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدي بالى خلاف حقيقته ، وموضوعه صريح في أن اللّه سبحانه وتعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب جل جلاله فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه ، فإن عدى بنفسه فمعناه التوقف والانتظار كقوله انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ وإن عدى بفي فمعناه التفكر والاعتبار كقوله أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وأن عدي بالى فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر ؟ ! ! قال يزيد بن هارون أنبأنا مبارك عن الحسن قال نظرت إلى ربها تبارك وتعالى فنظرت بنوره ، فاسمع الآن أيها السني تفسير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه والتابعين وأئمة الإسلام لهذه الآية ( قال ابن مردويه ) في تفسيره حدثنا إبراهيم عن محمد حدثنا صالح بن أحمد حدثنا يزيد بن الهيثم حدثنا محمد بن الصباح حدثنا المصعب بن المقدام حدثنا سفيان عن ثوير بن أبي ناجية عن أبيه عن عبد اللّه بن عمرو قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ قال من البهاء والحسن ، إلى ربها ناظرة قال في وجه اللّه عز وجل . وقال أبو صالح عن ابن عباس إلى ربها ناظرة قال : تنظر إلى وجه ربها عز وجل ، وقال عكرمة وجوه يومئذ ناضرة قال من النعيم إلى ربها ناظرة قال تنظر إلى ربها نظرا ، ثم حكى عن ابن عباس مثله وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث .