ابن قيم الجوزية
202
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
لمدركون » إنا لمرئيون فإن موسى صلوات اللّه وسلامه عليه نفى إدراكهم إياهم بقوله كلا وأخبر اللّه سبحانه أنه لا يخاف دركهم بقوله وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه فالرب تعالى يرى ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط به وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية قال ابن عباس : لا تدركه الأبصار ، لا تحيط به الأبصار قال قتادة هو أعظم من أن تدركه الأبصار وقال عطية ينظرون إلى اللّه ولا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم فذلك قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فالمؤمنون يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم عيانا ولا تدركه أبصارهم بمعنى أنها لا تحيط به إذ كان غير جائز أن يوصف اللّه عز وجل بأن شيئا يحيط به وهو بكل شيء محيط وهكذا يسمع كلام من يشاء من خلقه ولا يحيطون بكلامه وهكذا يعلم الخلق ما علمهم ولا يحيطون بعلمه ( ونظير هذا ) استدلالهم على نفي الصفات بقوله تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) وهذا من أعظم الأدلة على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله وأنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مثل فيها وإلا فلو أريد بها نفي الصفات لكان العدم المحض أولى بهذا المدح منه مع أن جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل فلان لا مثل له وليس له نظير ولا شبيه ولا مثل ، أنه قد تميز عن الناس بأوصاف ونعوت لا يشاركونه فيها وكلما كثرت أوصافه ونعوته فات أمثاله وبعد عن مشابهة أضرابه ، فقوله ليس كمثله شيء من أدل شيء على كثرة نعوته وصفاته وقوله لا تدركه الأبصار من أدل شيء على أنه يرى ولا يدرك وقوله هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه فإنه لم يخلقهم في ذاته بل خلقهم خارجا عن ذاته . ثم بان عنهم باستوائه على عرشه وهو يعلم ما هم عليه فيراهم وينفذهم بصره ، ويحيط بهم علما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا ، فهذا معنى كونه سبحانه معهم أينما كانوا وتأمل حسن هذه المقابلة لفظا ومعنى بين قوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به ، وللطفه وخبرته يدرك الأبصار فلا تخفى عليه فهو العظيم في لطفه اللطيف في عظمته ، العالي في قربه القريب في علوه ، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع