ابن قيم الجوزية
201
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
من التابعين زيد بن وهب وغيره . ( فصل ) ( الدليل السادس ) قوله عز وجل : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ والاستدلال بهذا أعجب فإنه من أدلة النفاة وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه وقال لي أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها . فإن اللّه سبحانه إنما ذكرها في سياق التمدح ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية وأما العدم المحض فليس ، بكمال ولا يمدح به وإنما يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم إذا تضمن أمرا وجوديا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية ونفي الموت المتضمن كمال الحياة ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره . ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال الصمدية وغناه ، ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه . ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه . ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته . ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته ولهذا لم يمتدح بعدم محض لا يتضمن أمرا ثبوتيا فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه . فلو كان المراد بقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ إنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار والرب جل جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض فإذا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به كما كان المعنى في قوله وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ إنه يعلم كل شيء وفي قوله وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ إنه كامل القدرة وفي قوله وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً إنه كامل العدل وفي قوله لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ إنه كامل القيومية فقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يدل على غاية عظمته وأنه أكبر من كل شيء وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية كما قال تعالى فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا فلم ينف موسى الرؤية ولم يريدوا بقولهم ( إنا